أحمد علي
تبدو العملات الرقمية كمدينة جديدة بُنيت بسرعة: طرق واسعة، لوحات إعلانية لامعة، وحركة أموال لا تهدأ، لكن إشارات المرور قليلة. من يشتري بيتكوين أو يضع مدخراته في محفظة رقمية قد يكتشف أن حماية المستهلك التي يعرفها في البنوك وأسواق الأسهم لا تنطبق دائماً هنا. لذلك تتحرك الخزانة البريطانية لتضع إشارات أوضح، لا لتغلق الطريق، بل لتجعل السير أقل خطراً.
تنظيم العملات المشفرة في بريطانيا
تُعد وزارة الخزانة قواعد لإدخال الأصول المشفرة ضمن “النطاق التنظيمي” الذي تخضع له منتجات مالية أخرى، على أن يدخل الإطار حيز التطبيق في 2027، مع إعلان أن بدء النظام سيكون في أكتوبر 2027. هذا التحول يعني أن مزودي خدمات التشفير، مثل منصات التداول والمحافظ الرقمية، سيُطلب منهم الالتزام بمعايير تشغيل وشفافية، وستتولى هيئة السلوك المالي (FCA) الإشراف والتنفيذ.
الحكومة تقول إن الهدف هو زيادة الشفافية ورفع ثقة المستهلك وتسهيل رصد النشاط المشبوه وفرض العقوبات ومحاسبة الشركات. وترى الحكومة أن ذلك يحمي سمعة لندن المالية، وتقول لوسي ريغبي إن الوضوح التنظيمي يجذب الشركات الجادة.
لماذا توسع الحكومة المظلة
السبب المباشر الذي يدفع نحو التنظيم هو اتساع مساحة الاحتيال. بيانات مصرفية أظهرت أن خسائر “احتيال الاستثمار” في بريطانيا قفزت 55% خلال عام، وأن العملات الرقمية المزيفة يُعتقد أنها من أكثر الطُعم استخداماً، فيما بلغ إجمالي المبالغ المسروقة من احتيالات مختلفة 629 مليون جنيه إسترليني في أول ستة أشهر من 2025، ووصلت خسائر احتيال الاستثمار إلى 97.7 مليوناً في الفترة نفسها، وغالباً ما يبدأ الخداع بإعلان على منصة اجتماعية يعد بعائد كبير.
وفي مثال يوضح جانب “الأموال القذرة”، شهدت بريطانيا قضية Zhimin Qian التي ارتبطت بمصادرة 61 ألف بيتكوين قُدّرت قيمتها بأكثر من خمسة مليارات جنيه إسترليني، ووُصفت المصادرة بأنها الأكبر من عملية واحدة، ما يوضح لماذا تريد الدولة أدوات متابعة ومحاسبة.
الشفافية ومكافحة الأموال القذرة
تنظيم العملات المشفرة في بريطانيا يراهن على جعل السوق قابلة للتدقيق عند الاشتباه بدل الاكتفاء بنصيحة “تحمل المخاطر”. هيئة السلوك المالي توضح أن الشركات التي تقدم خدمات أصول مشفرة ضمن نطاق لوائح غسل الأموال يجب أن تسجل لديها قبل أن تبدأ العمل في المملكة المتحدة، وأنها تشرف على التزام هذه الشركات بمتطلبات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
وعلى مستوى السياسة العامة، نشرت الحكومة في 2025 وثائق تمهد لأنشطة منظمة مثل تشغيل منصات تداول الأصول المشفرة وإصدار العملات المستقرة، مع نية استكمال أطر تتعلق بسلوك السوق والإفصاحات والحد من إساءة السوق. وتذكر رويترز أن قواعد مكملة للتداول والحفظ والعملات المستقرة يُفترض إنجازها قبل نهاية 2026، وأن النهج البريطاني أقرب للنموذج الأميركي من إطار الاتحاد الأوروبي.
التبرعات السياسية تحت المجهر
إلى جانب حماية المستثمر، ظهر سؤال آخر: كيف تُحمى السياسة من أموال يصعب تعقبها؟ الحكومة تعمل على خطط لحظر التبرعات السياسية بالعملات المشفرة لأن التحقق من المصدر والملكية قد يكون معقداً، لكنها تقر بأن الحظر قد لا يلحق بمشروع قانون الانتخابات القريب. الجدل تصاعد بعد قبول Reform UK تبرعات رقمية وإنشاء بوابة لها، ومع تداول أخبار عن تبرع كبير بلغ 9 ملايين جنيه من مستثمر في العملات المشفرة، ما جعل الشفافية مطلباً انتخابياً لا مالياً فقط.
ماذا يعني ذلك للمستخدم
تنظيم العملات المشفرة في بريطانيا قد يمنح المستخدم حماية أقوى، لكنه لا يضمن الربح ولا يلغي تقلب الأسعار، كما أن الأثر الأكبر لن يُرى إلا مع اقتراب 2027، ما يعني أن الحذر مطلوب اليوم كما كان بالأمس. الفارق المتوقع أن المنصات ستتحرك داخل حدود رقابية أوضح، وأن التسويق المضلل سيصير أكثر كلفة على من يمارسه، وأن الشكاوى والمساءلة لن تبقى في منطقة رمادية. ومع ذلك قد ترتفع تكاليف الامتثال، وقد تقل الخيارات إذا انسحب بعض اللاعبين الأصغر. عملياً، يبقى الأهم أن يتحقق الفرد من وضع مزود الخدمة وأن يتعامل مع الوعود السهلة على أنها إشارة خطر، وكلما بدا العرض أسهل زادت الحاجة للتدقيق.
اقرأ أيضاً: رؤوس الأموال تهرب من بريطانيا لهذا السبب!