تشير التقديرات إلى أن نسبة المسلمين في بريطانيا بلغت نحو 6% منذ عام 2025 (قرابة 4 مليون مسلم)، مع توقعات بارتفاعها إلى 17.2% بحلول عام 2050. ويتركز الوجود الإسلامي بشكل لافت في مدن كبرى مثل London وBirmingham وManchester وBradford. في هذا السياق المتعدد ثقافياً ودينياً، يبرز شهر رمضان بوصفه أحد أهم المواسم الروحية والاجتماعية للمسلمين، حيث تتقاطع الممارسة الدينية مع تحديات الواقع البريطاني غير المسلم من حيث المناخ، وساعات العمل، وأنماط الحياة.
يومٌ يبدأ قبل الفجر في رمضان بريطانيا
في مدن مثل London وBirmingham وManchester، يستيقظ المسلمون قبل الفجر بقليل. ضوء المصابيح في المطابخ يسبق ضوء الشمس. يحضر السحور بعناية: تمر، بيض، خبز، أطعمة مشبعة تساعد على احتمال يوم قد يمتد إلى 16 ساعة.
ثم يبدأ الصمت اليومي، لا ماء، لا قهوة، لا وجبة سريعة بين الاجتماعات. في بلد لا تتوقف فيه الحياة، يمضي المسلم إلى عمله أو جامعته. بعض أرباب العمل باتوا يوفرون ترتيبات مرنة، ومساحات للصلاة، في مشهد يعكس تطوراً في فهم التعددية الدينية داخل المجتمع البريطاني.
النهار يطول، خصوصاً كلما اقتربنا من يونيو، حيث قد يصل الصيام إلى نحو 17 ساعة. التعب حاضر، لكن الإيقاع يتغير، العمل بتركيز أهدأ، والحديث أقل، والنظر إلى الساعة أكثر مما ينبغي.
اقرأ أيضاً: مواعيد الإمساك والإفطار في أبرز مدن بريطانيا خلال شهر رمضان 2026
من الإفطار والأكل الحلال إلى التراويح في المساجد
مع اقتراب الغروب، تتغير رائحة الأحياء. في شوارع مثل Edgware Road في لندن أو Rusholme في مانشستر، تختلط روائح التوابل القادمة من مطابخ باكستانية وبنغلاديشية وعربية وتركية وصومالية.
المسلمون في بريطانيا ليسوا كتلة واحدة. هم أبناء هجرات متعاقبة، لكل منها ذاكرتها الخاصة في رمضان. الإفطار قد يبدأ بالتمر والماء، لكنه يتوسع سريعاً ليحمل بصمة البلد الأصلي، سمبوسة جنوب آسيوية، شوربة عدس عربية، حلويات تركية، أو أطباق إفريقية حارة. وبالرغم من انتشار المنتجات الحلال في متاجر كبرى مثل Tesco وAsda وSainsbury’s وLidl، يبقى للجزار المحلي والسوق الشعبي مكانته الخاصة، خصوصاً في الأسابيع الأولى من الشهر.
بعد الإفطار، تمتلئ الشوارع من جديد، لكن هذه المرة باتجاه المساجد. في London Central Mosque، تتقاطر العائلات لأداء صلاة التراويح. وفي Birmingham Central Mosque وGreen Lane Masjid، تنظم موائد إفطار جماعية تستقبل المئات بشكل يومي.
كما سائر المسلمين يصلون التراويح، لكن في بريطانيا صلاة التراويح ليست مجرد طقس تعبدي، بل مساحة لقاء. طلاب، أطباء، سائقو حافلات، لاجئون جدد، وأسر مستقرة منذ أجيال، يقفون في صف واحد. اللغة قد تختلف، لكن الصلاة واحدة.
وفي الخلفية، تنشط مؤسسات خيرية مثل Islamic Aid وIslamic Relief UK في جمع الزكاة وتنظيم حملات دعم غذائي. رمضان هنا لا يُعاش فردياً، بل بوصفه موسم تضامن، فهو شهر الخير والتكافل أينما حلّ.
من الصيام والتراويح إلى صلاة العيد
في صباح العيد وبعد الصلاة في المساجد وتبادل التهاني كما سائر المسلمين، تتجمع الجموع في حدائق عامة مثل Small Heath Park في برمنغهام أو Palmer Park في Reading. صفوف طويلة من المصلين، ملابس تقليدية وحديثة، أطفال يركضون بين الصفوف، وعدسات هواتف توثق اللحظة.
هنا، في فضاء بريطاني مفتوح، تقام صلاة إسلامية جماعية تعكس حضوراً متزايداً وثقة أكبر بالهوية. لم يعد رمضان شأناً خاصاً داخل البيوت، بل مناسبة ترى وتسمع في المجال العام.
ختاماً، شهر رمضان في بريطانيا ليس نسخة طبق الأصل من رمضان في الدول العربية أو الدول ذات الأغلبية المسلمة. بل هو “تجربة تعايش” بين تقويم قمري ومجتمع صناعي سريع الإيقاع، بين ساعات صيام قد تمتد إلى 17 ساعة وشمس لا تغيب بسهولة في الصيف. ومع ذلك، ينجح المسلمون كل عام في إعادة صياغة طقوسهم بما ينسجم مع واقعهم. رمضان بريطانيا قصة تتكرر كل عام، ويعاد كتابتها مع كل هلال جديد.