ثلاث خيبات متتالية تعرض لها المنتخب الألماني، فقد خرج مجدداً من مونديال 2026 مبكراً، حيث لم يتأهل إلى دور الـ16، ولكنّ خروجه لم يمرّ مرور الكرام، فقد رافقته انتقادات لاذعة وصفها المانشافت بالعنصرية.
كما أن هزيمة المنتخب أصبحت محط جدل سياسي اقتصادي، حيث ربطها سياسيون بالأزمات التي تعيشها البلاد، وفي هذا السياق تُطرح عدة تساؤلات: هل تُستغلّ خسارة الألمان وخروجهم من كأس العالم سياسياً؟ أم أنها فعلاً انعكاسٌ لأزمة بلد كامل؟
خروج المنتخب الألماني من مونديال 2026
انتهى لقاء المنتخب الألماني أمام الباراغواي بالتعادل 1-1 بعد الوقتين الأصلي والإضافي، قبل أن تخسر ألمانيا 3-4 بركلات الترجيح، وكانت نتيجة مخيبةً وفضيحة كما وصفها الجماهير والسياسيون الألمان، لا سيما أنها شكلت أول هزيمة للمانشافت بركلات الترجيح في تاريخ مشاركاته بكأس العالم.
محاولة المستشار الألماني فريدريش ميرتس (Friedrich Merz) تحجيم الخسارة وتجميل أداء المنتخب الألماني، باءت بالفشل، فقد تعرّض هو الآخر لموجة من الانتقادات الساخرة، بعد منشوره على منصة إكس، الذي كتب فيه: “رغم أن الخروج مؤلم، يا لها من مباراة. لقد أسعدتم بلدنا في هذا المونديال بروحكم القتالية وروح الفريق. نحن فخورون بكم.”.
فالعديد من المنتقدين السياسيين، وصفوا كلامه بأنه لا يعكس الغضب من الأداء الضعيف للمنتخب، معتبرين أنها بدت متفائلة أكثر من اللازم، في وقت كان فيه الرأي العام يطالب بتقييم أكثر صراحةً لأداء المنتخب، كما اتهمه بعض المعلقين بمحاولة توظيف المناسبة لتقديم صورة إيجابية عن قيادته.
تعليقات وانتقادات لاذعة
حمل خروج الماكينات الألمانية أبعاداً سياسيةً واقتصاديةً تعيشها البلاد، حيث انهالت الانتقادات من قبل شخصيات سياسية، خاصةً المعارضة منها على أداء المنتخب، الذي وُصف بأنه شبيه بما تمرّ به ألمانيا.
فقد علقت النائبة الأوروبية عن الحزب الديمقراطي الحر ماري-أغنيس شتراك-تسيمرمان (Marie-Agnes Strack-Zimmermann) قائلةً: “لم يعد العالم ينظر إلينا بإعجاب، بل يهزّ رأسه، ولن يتغير ذلك ما دمنا نعتقد أن الادعاء يمكن أن يحلّ محلّ الأداء، وأن الكلام يمكن أن يحلّ محل النتائج.
وأضافت تسيمرمان: ” المشكلة الأساسية تكمن في العقلية، في الاعتقاد أن ألمانيا ستجد دائما طريقةً لحل الأمور، هذا المنتخب يلعب بالطريقة نفسها التي تحكم بها الحكومة الاتحادية: طموحات كبيرة، لكن عزيمة ضعيفة، وعندما يظهر الحظّ أخيراً، لا يُحتسب الهدف”.
هذا التعليق إلى جانب غيره من التعليقات السياسية السلبية، كان كافياً لتخطي حدود المستطيل الأخضر، وتحويل الهزيمة إلى نقاش عام أوسع حول الأوضاع التي تعيشها ألمانيا في المرحلة الراهنة.
ألمانيا ليست كما هي قبل 10 سنوات
في هذا الصدد، يعتقد الخبير بالشأن الألماني منصف السليمي عبر لقاء تلفزيوني، أن تراجع الأداء الألماني يمثل أزمة منظومة وراءها أزمة في المجتمع الألماني، مشيراً إلى أن المنتخب الألماني لم يخرج من مسار الهزائم المذلة في نسختي روسيا وقطر، مبيناً أن آخر إنجاز لكرة القدم الألمانية في 2014 بعد هزيمة المنتخب البرازيلي بنتيجة ساحقة 7-1، ولكن الأداء بدأ بالهبوط بعد هذا التاريخ المميز.
وقد ربط الخبير بين تراجع العقلية الألمانية والأداء الكروي الضعيف، مشيراً إلى أن هذه العقلية هي عنصر من القوة الناعمة، التي لطالما تميزت بها ألمانيا بفضل ماكانت تتمتع به من تفوق اقتصادي وتكنولوجي، إلى جانب تجارتها الخارجية وكرة القدم التي مثلت مكوناً رئيسياً من مكونات هذه القوة، غير أن هذه المكونات بدأت تشهد اهتزازاً تدريجياً منذ نحو عقد من الزمن.
ويعزو الخبير هذا التراجع لتغير عوامل القوة وظهور منافسين جدد لألمانيا، إلى جانب تخليها عن دورها الحيادي، ورغبتها بلعب أدوار سياسية وعسكرية، جعلتها محط انتقادات واسعة لا سيما بعد حرب غزة وعلاقتها مع إسرائيل، مؤكداً أن جميع هذه العوامل لعبت دوراً كبيراً في تراجع النموذج الألماني الكروي.
بينما يرى خبراء آخرون أن الأداء الكروي لا علاقة له بما تعيشه البلاد من أزمات، فلا تزال هناك استثمارات واهتمام كبير بكرة القدم الألمانية، بالتالي لا يمكن ربط إخفاق الفريق بالدولة والمجتمع ككل، مشيرين إلى أن هذا التراجع ناجم عن أسباب فنية بحتة.
خضات اقتصادية وسياسية
تزامن تراجع الأداء الرياضي مع ضغوط اقتصادية كبيرة، حولت الهزيمة إلى مادة للنقاش حول صورة ألمانيا ودورها كقوة مستقرة، فالاقتصاد الألماني القائم على التصدير، يعاني اليوم لاستعادة زخمه قبل جائحة كورونا، حيث تتزايد المنافسة الصينية، فالسوق الصيني تحول من أكبر أسواق النمو للشركات الألمانية إلى منافس عالمي يهدد تفوقها الصناعي، خصوصاً في قطاع السيارات.
كما يُعد ارتفاع أسعار الطاقة نتيجة الحرب الأوكرانية والذي تفاقم بعد الصراع الإيراني الأمريكي، تحدياً آخر يواجهه الاقتصاد الألماني، إلى جانب ضعف النمو الإنتاجي، الذي يعود لعدة عوامل من بينها تعثر الإصلاحات على الصعيدين الأوروبي عموماً والألماني خصوصاً.
بالإضافة إلى الاهتزازات السياسية الداخلية، حيث تُظهر بعض استطلاعات الرأي تقدّم الحزب اليميني (AfD) على الحزب المحافظ في بعض المؤشرات، أي أن هناك تصاعد لحضور التيارات اليمينية في المشهد السياسي الألماني.
على الرغم من أن إقحام الأزمات السياسية والاقتصادية بتراجع المنتخب الألماني، لا يعدّ منطقياً للبعض، ولكن بالعودة لتوقعات الخبراء حول المنتخبات الأقوى والأكثر احتماليةّ لفوزها بكأس العالم بحسب النموذج الإحصائي، يتبين أنهم يعتمدون على عدة مؤشرات إحصائية لها دور هامٌّ في تحديد مكانة المنتخبات.
على سبيل المثال، لدينا توقعات الخبير الاقتصادي الألماني يواخيم كليمنت (Joachim Klement)، الذي ينطلق من نموذج رياضي، طوره لدمج مجموعة من العوامل الأساسية في تحديد مستوى المنتخبات، كالمؤشرات الاقتصادية والعوامل الديمغرافية، بالإضافة إلى تصنيف الفيفا، وغيرها من البيانات الإحصائية، التي تُسهم في محاكاة الأداء الكروي.
وكان نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي لكل دولة، من أبرز المتغيرات التي اعتمدها “كليمنت”، مبيناً أنه من أهمّ المؤشرات المؤثرة في البنية التحتية الرياضية ومكانة المنتخبات في التصنيف العالمي، إلى جانب حجم السكان.
بالعودة إلى دخل الفرد من الناتج الإجمالي في ألمانيا، تبين أرقام صندوق النقد الدولي أنه بلغ خلال 2023 حوالي 54,793$، وفي 2024 بلغ حوالي 56,087$ (تراجع في النمو الحقيقي)، أما خلال 2025 فوصل إلى نحو 60,439$ مسجلاً بذلك تعافٍ ضعيف جداً، فيما سجل نمواً بطيئاً في عام 2026 فقد بلغ حوالي 65,303$.
إذاً، الركود الاقتصادي وما تواجهه ألمانيا اليوم أثر بشكل مباشر على دخل الفرد من الناتج الإجمالي المحلي، بالإضافة إلى أنها تُعد من أكثر الدول الأوروبية شيخوخةً سكانية.
أداء المنتخب
وفقاً للتحليلات الرياضية، فاللاعبون الأساسيون لم يكونوا على قدر التوقعات المتفائلة، لا سيما بالنسبة لقيادة جوشوا كيميتش (Joshua Kimmich)، الذي كان من المفترض أن يحافظ على تماسك الفريق بروح الجماعة، وفقاً لوصف المنتقدين.
كذلك الأمر بالنسبة للاعب فلوريان فيرتس (Florian Wirtz)، الذي بدا واضحاً مدى تراجع أدائه حتى قبل انطلاق المونديال، إلى جانب جمال موسيالا (Jamal Musiala) الذي قدم أداءً أقل من التوقعات المأمولة منه، وكثيرون ربطوا تأثير إصابته الطويلة على لياقته.
يمكن القول إن الأداء الألماني ككل كان مهتزاً دفاعياً، وقد زادتِ الإصابات الطين بلةً، لا سيما إصابة اللاعب سيرج جنابري (Serge Gnabry) قبل انطلاق المونديال، إضافةً إلى إصابة لينارت كارل (Lennart Karl) الخطيرة في شيكاغو.
يبدو أن خروج المنتخب الألماني من مونديال 2026، كشف صورة أعمق لدولة كاملة تعيش اهتزازات اقتصادية وسياسية، برأيك هل فعلاً هناك علاقة مباشرة بين الأداء الكروي والساحة السياسية والاقتصادية التي تعيشها البلاد؟ أم أن ربط الهزيمة بالأزمات الداخلية مجرد غطاء لإثارة الجدل مجدداً حول ما واقع الحكومة الألمانية؟
اقرأ أيضاً: الأندية الألمانية.. سلسلة سوداء في أوروبا