يُعدّ الهجوم السيبراني خطراً مهدداً للاستقرار المالي العالمي، لا سيما مع ازدياد التوجه نحو رقمنة البنوك وترابط المؤسسات والأنظمة المالية، الذي قد يؤدي إلى سرعة انتشار الهجمات الإلكترونية عبر الشبكات وتعطيل عمل عدة جهاتٍ في آنٍ واحد.
وفي بريطانيا تحديداً، جاءت الهجمات الإلكترونية في صدارة أحداث 2025، وذلك بعد تعرض كبرى الشركات البريطانية لهجوم من قراصنة الإنترنت كبدها خسائر فادحة، وفي هذا السياق أكد استطلاع حديث أن نحو 30% من الشركات الصناعية البريطانية تعرضت لهجوم سيبراني خلال العام الماضي.
في هذا المقال، نستعرض أبرز ما جاء في الاستطلاع حول الهجمات السيبرانية في بريطانيا، مع تسليط الضوء على الخسائر التي سببتها للاقتصاد البريطاني.
الهجمات السيبرانية في بريطانيا تستهدف المصنعين
وفقاً لاستطلاع أجرته منظمة ميك يو كيه (Make UK) التي تمثل المصنعين البريطانيين، فقد تعرض نحو 30% من المصنعين في المملكة المتحدة لحوادث سيبرانية سواء بشكل مباشر أو عبر سلاسل التوريد، خلال الأشهر الـ12 الماضية.
وقد أدت هذه الهجمات إلى توقف العديد من المصنّعين عن الإنتاج وارتفاع التكاليف، فيما لا يمتلك سوى نصف الشركات الصناعية خطةً واضحةً للاستجابة للهجوم والحدّ من آثاره، مما شكّل نوعاً من الشلل الإنتاجي.
الاستطلاع الحديث يغطي 123 مصنعاً، منهم 30% أكدوا معاناتهم من تدهور الوضع التشغيلي بعد تعرضهم لهجمات إلكترونية، حيث عانوا من التأخير في التسليم للزبائن وتراجع الإنتاجية، فيما أبلغ نحو الربع عن معاناتهم من نقص المواد اللازمة والتأخر بتسليم الموردين.
من هذا المنطلق، تبرز الحاجة الملحّة لتكثيف الجهود لاتخاذ تدابير سيبرانية قوية، والاستثمار بشكل أكثر فعاليةً في مجال الأمن السيبراني، الذي يقي الشركات من الابتزاز الإلكتروني، ويحمي البيانات الحساسة، ويزيد من ثقة العملاء بالشركة بالتالي يدعم أداءها، كما يعزز من استمرارية الإنتاج، والحدّ من الخسائر المالية والتشغيلية الناجمة عن هجوم قراصنة الإنترنت.
تعطيل مورد واحد يعرقل سلسلةً متكاملة
المثير للقلق، أن هؤلاء المصنعين تعرضوا لحوادث إلكترونية بشكل مباشر أو عبر سلاسل التوريد، أي أن المهاجم بدأ يغير طريقته التقليدية باستهداف الشركة مباشرةً، فيلجأ إلى مهاجمة أحد الموردين أو الشركاء المرتبطين بها، ثم ينتقل الخطر إلى الشركة المعنية.
بناءً على ذلك، تصبح سلسلة التوريد نقطة ضعف استراتيجية يستغلها القراصنة، لا سيما في الصناعات التي تعتمد على الترابط الرقمي المتزايد بين عشرات أو مئات الموردين، وهذا ما حذرت منه الحكومة البريطانية، التي أكدت أن مجرمي الإنترنت يستغلون باستمرار التطورات التكنولوجية لتعزيز فعالية أنشطتهم الخبيثة، فقد يؤدي تعطل مورد واحد إلى تداعيات واسعة على الخدمات.
وتكشف تكلفة الهجمات السيبرانية على الاقتصاد البريطاني حجم الخطر المالي الذي تواجهه الشركات بشكل متصاعد، فبحسب تقديرات حكومية، تكلّف الهجمات السيبرانية الاقتصاد البريطاني نحو 14.7 مليار جنيه إسترليني سنوياً.
الهجوم الأكثر تكلفةً في التاريخ البريطاني
الهجمات السيبرانية في بريطانيا استهدفت عدة شركات كبرى خلال عام 2025، علّ أشهرها ما تعرضت له شركة جاغوار لاند روفو (Jaguar Land Rover)، حيث توقفت عن الإنتاج لأسابيع بعد استهدافها إلكترونياً، وقد كلفت عملية الاختراق هذه الاقتصاد البريطاني نحو 1.9 مليار جنيه إسترليني، وفقاً لمركز مراقبة الأمن السيبراني (“Cyber Monitoring Centre “CMC).
كان لهذه الحادثة أثر كبير، لا سيما وأن شركة جاغوار لاند روفر تُعرف بأنها من أكبر جهات التوظيف في مجال السيارات ضمن المملكة المتحدة، واضطرت حينها إلى إغلاق أنظمتها الرقمية في كافة مصانعها ومكاتبها.
إذاً، يتبين من الاستطلاع الحديث أن ضرر الهجمات السيبرانية في بريطانيا يتعدى حدود سرقة البيانات، فقد اهتزت القوة الإنتاجية والتشغيلية للشركات المستهدفة، فبعضها تأثر بتوقف الإنتاج وارتفاع التكاليف التشغيلية، بينما تأثر البعض الآخر بتأخر التسليم للعملاء والموردين وانخفاض القدرة الإنتاجية، وهذا بالتأكيد له آثاره على الاقتصاد البريطاني.
اقرأ أيضاً: كيف كشفت الهجمات الإلكترونية هشاشة الاقتصاد الرقمي البريطاني؟