وسط عصرٍ تُقاس فيه الشهرة بعدد المتابعين لا بعدد السنوات، بات الطفل يدخل عالم الكبار من أضيق ثغرة: إعلان عابر على تيك توك، أو قصة قصيرة على إنستغرام، أو لقطة لنجمه المفضّل وهو يلمّح لرهان “للتسلية”. فجأة تصبح “اللعبة” أكبر من وعيه، وتتحوّل الإثارة الرقمية إلى أول خطوة على طريقٍ زلق اسمه المراهنة بين الأطفال. هنا لا نتحدث عن صدفةٍ بريئة، بل عن منظومة متشابكة تُسوّق للرهان كجزء من الثقافة الشعبية، وتضع الأهل والمدرسة والمنظّم والحكومة أمام سؤالٍ واحد: من المسؤول؟
كيف تنتشر المراهنة بين الأطفال عبر المشاهير والمنصّات؟
تكشف أبحاث جديدة بتكليف من مؤسسة GambleAware أنّ أطفالاً بسن 11 عاماً شعروا بإغراء تجربة المراهنة بعد التعرّض لمحتوى دعائي تقوده أسماء لامعة على المنصّات الاجتماعية؛ ربع المشاركين من الفئة 13–17 أقرّوا بأن ظهور المشاهير حفّز رغبتهم في الإنفاق على المراهنة، وترتفع النسبة لدى الفتيان 16–17. كما أفاد نحو 87–90% من المراهقين بأنهم رأوا محتوى للمراهنة على يوتيوب وتيك توك وإنستغرام، وهو نطاق تعرّض “غير مسبوق” بحسب الجهة الخيرية.
هذه البيئة لا تقتصر على شركات مرخّصة؛ فالأطفال يرون أيضاً رهانات على “السكِنز” داخل الألعاب وصناديق الغنيمة (Loot Boxes) التي تحاكي أنماط المقامرة دون أن تُسمّى باسمها الصريح، ما يطبع السلوك مبكراً ويطوّق الوعي الناشئ.
ثغرات تنظيمية في عصر رقمي سريع
صحيح أنّ هيئات الإعلان البريطانية شدّدت منذ 2022 قواعدها لتحظر أي إعلان للمراهنة “ذو جاذبية قوية” لمن هم دون 18 عاماً، بما في ذلك استخدام نجوم الرياضة ومؤثري الألعاب، بل وأسقطت إعلانات كبرى لانتهاكها هذا المبدأ. لكن القيود لا تزال تركض خلف واقع يتبدّل كل شهر.
على الجانب الحكومي، قدّمت الورقة البيضاء لعام 2023 حزمة إصلاحات لعصرنة قانون 2005، بينها حدود للرهانات في ماكينات القمار الإلكترونية عبر الإنترنت، وإلزاميات أوسع للحماية. خطوات مهمة، لكنها لا تعالج وحدها تسويق المراهنة المتحوّل على المنصّات التي لا تعترف بحدود عمرية إلا على الورق.
أرقام تدق ناقوس الخطر
تُظهر إحصاءات هيئة المقامرة البريطانية لعام 2024 أن نحو ربع اليافعين (قرابة 27%) أنفقوا من أموالهم على أنشطة مراهنة خلال عام سابق، غالبها في أنشطة تبدو “آمنة” مثل آلات الأركيد أو الرهانات بين الأصدقاء، مع زيادة ملحوظة في اللجوء للمقامرة عبر الإنترنت—أحياناً عبر حسابات عائلية. وهذه البوابة “غير الرسمية” تجعل الرقابة المنزلية أصعب، وتزيد فرص الانزلاق إلى أنماط ضارّة.
من يتحمّل المسؤولية حقاً؟
المسؤولية مشتركة، لكن أوزانها متفاوتة. منصّات التواصل التي تستفيد من اقتصاد الانتباه مطالبة بفلترة صارمة للمحتوى الدعائي للمراهنة، واستخدام التحقّق العمري الحقيقي لا القابل للتحايل. الأندية الرياضية والرعاة يجب أن يفصلوا صورة القدوة عن ثقافة الرهان؛ فشعار على قميص أو فيديو قصير كفيلان بجعل المراهنة بين الأطفال “طبيعية” في المخيلة. المعلِنون عليهم الالتزام بروح القواعد لا نصّها فقط، فالتحايل عبر مؤثّرين صغار أو محتوى “عضوي” يُفرغ التنظيم من معناه. أما المنظّمون فبوسعهم الانتقال من الرقابة اللاحقة إلى الوقاية المسبقة: قيود موسّعة على خوارزميات الاستهداف، وإلزام شفافية أعلى في استخدام المشاهير، وحجب تلقائي لمن هم دون 18 عن محتوى الرهان عبر واجهات برمجة التطبيقات.
وتبقى المدرسة والأسرة خط الدفاع الأول: محو أمية رقمية يشرح ألعاب “الاحتمالات”، وحدوداً واضحة للوقت والإنفاق داخل الألعاب، ومحادثات صريحة تكسر سحر “التجربة الأولى”.
ما الذي يمكن فعله الآن؟
يمكن للحكومة أن تبني على الورقة البيضاء لتسدّ الفجوة بين القانون وسلوك المنصّات، بما في ذلك إدراج عناصر مثل صناديق الغنيمة ضمن نطاق المراقبة حين تتقاطع مع الإنفاق المالي الحقيقي؛ ويمكن لهيئة الإعلانات أن توسّع تعريف “الجاذبية القوية” ليشمل أنماط السرد القصير والذكاء الاصطناعي التوليدي الذي يصنع مؤثرين افتراضيين. كما ينبغي تمكين الباحثين من بيانات مجهولة الهوية لفهم مسارات التأثير، وتمويل برامج تدخّل مبكر في المدارس تستهدف مناطق الحرمان التي تُظهر الدراسات أنّها أكثر عرضة للضرر. وبين كل ذلك، تبقى رسالتنا الأوضح: حين تُسوَّق المراهنة عبر الوجوه التي يحبّها الأطفال، يتحوّل الإعجاب إلى دعوة، والدعوة إلى تجربة، والتجربة—إذا غابت الحماية—إلى عادة. وهنا تتجلّى خطورة تطبيع المراهنة بين الأطفال.