لماذا بدت حرب إيران أكثر كلفة على الاقتصاد البريطاني من بقية السبع؟
تابعونا على:

مال وأعمال

لماذا بدت حرب إيران أكثر كلفة على الاقتصاد البريطاني من بقية السبع؟

نشر

في

434 مشاهدة

لماذا بدت حرب إيران أكثر كلفة على الاقتصاد البريطاني من بقية السبع؟

لا تكفي نسبة النمو وحدها لتفسير ما جرى. حين خفّض صندوق النقد الدولي توقعه لنمو بريطانيا في 2026 إلى 0.8 بالمئة، لم يكن الخبر مجرد تعديل تقني في جدول التوقعات، بل إشارة إلى أن الصدمة التي فجرتها حرب إيران دخلت الاقتصاد البريطاني من باب أكثر حساسية من كثير من اقتصادات السبع، وهو باب الطاقة التي تتحول بسرعة في بريطانيا إلى تضخم وفائدة مرتفعة وطلب أضعف.

هذا ما أعطى الخفض معناه السياسي والاقتصادي معاً. رويترز نقلت عن الصندوق أن بريطانيا تلقت أكبر خفض بين دول مجموعة السبع، إذ تراجع تقدير نموها في 2026 من 1.3 بالمئة إلى 0.8 بالمئة. وفي الوقت نفسه، كان بنك إنجلترا يتحدث عن صدمة عرض سلبية كبيرة من الشرق الأوسط ستضغط على النمو وترفع التضخم وتشدّد الأوضاع المالية. وبين المؤسستين يمكن قراءة الخيط نفسه، الاقتصاد البريطاني لم يتضرر لأن الحرب بعيدة جغرافياً فقط، بل لأن بنيته تجعل أثر الطاقة أسرع وأوسع وأكثر التصاقاً بالمعيشة اليومية.

لهذا لا يكفي القول إن أسعار النفط ارتفعت ثم تباطأ النمو. السؤال الأدق هو لماذا بدت بريطانيا أكثر حساسية من بقية السبع. والجواب لا يقف عند النفط وحده، بل يمر عبر الغاز، والاعتماد على الواردات، وهيكل فواتير الأسر، وضعف الطلب المحلي، وضيق الحيز المالي، ثم تأخر أي تخفيف محتمل من السياسة النقدية.

الاقتصاد البريطاني بعد خفض صندوق النقد

الرقم المركزي في القصة واضح. صندوق النقد خفض توقع نمو بريطانيا في 2026 إلى 0.8 بالمئة من 1.3 بالمئة، وهو ما وصفته رويترز بأنه أكبر خفض بين اقتصادات السبع. الصندوق لم يكتف بهذا، بل توقع أيضاً أن يبقى التضخم مرتفعاً نسبياً، وأن يبلغ معدل البطالة 5.6 بالمئة في 2026، في وقت تزداد فيه صعوبة ترجمة الوعود الحكومية الخاصة بتحسين مستويات المعيشة إلى نتائج ملموسة.

ما يعطي هذا الخفض وزنه أن الاقتصاد البريطاني لم يكن يدخل 2026 من موقع قوة كبيرة أصلاً. مكتب مسؤولية الموازنة كان قد توقع قبل الحرب نمواً عند 1.1 بالمئة، أي أن نقطة الانطلاق نفسها لم تكن مرتفعة. وبعد اندلاع الحرب في أواخر فبراير، راحت المؤسسات الخاصة والعامة تعيد خفض توقعاتها تباعاً. مجلس العموم البريطاني لخص الأمر بوضوح حين قال إن ارتفاع تكاليف الطاقة مرجح أن يضعف النشاط الاقتصادي في المملكة المتحدة لأنها مستورد صافٍ للطاقة، وإن عدداً من الجهات صار يتوقع نمواً بين 0.4 و0.7 بالمئة فقط.

المعنى هنا أن الحرب لم تضرب اقتصاداً سريعاً ثم خفّضته قليلاً، بل أصابت اقتصاداً كان يتحرك أساساً على نمو متواضع. وهذا ما يفسر لماذا بدا الخفض البريطاني أكبر من نظرائه. فحين تكون نقطة الانطلاق هشة، تصبح الصدمة الخارجية الصغيرة نسبياً أكبر في أثرها النسبي على الناتج والنقاش العام.

لماذا كان الخفض أكبر

العامل الأول هو طبيعة الطاقة نفسها في بريطانيا. فمجلس العموم يوضح أن نصف الغاز المستهلك في المملكة المتحدة فقط كان يأتي من الإنتاج المحلي في 2024، بينما يأتي النصف الآخر من الواردات. كما يشير إلى أن معظم الأسر البريطانية تستخدم الغاز والكهرباء مصدراً رئيسياً للطاقة المنزلية. هذا التفصيل ليس تقنياً، بل يشرح لماذا تمر صدمة الغاز بسرعة إلى الاقتصاد المحلي، من التدفئة إلى الفواتير إلى مزاج المستهلك.

العامل الثاني أن الحرب في الشرق الأوسط لم ترفع أسعار النفط فقط، بل ضربت أيضاً سوق الغاز على نحو حاد. مجلس العموم ذكر أن أسعار الغاز البريطانية بالجملة ارتفعت بنحو 75 بالمئة بين أواخر فبراير و23 مارس 2026، بينما صعد سعر برنت من نحو 70 دولاراً قبل الحرب إلى قمم مؤقتة فوق 100 دولار. كما ارتفعت أسعار البنزين في بريطانيا 14 بنساً للتر، والديزل 29 بنساً. هذا يعني أن الصدمة دخلت الاقتصاد من قناة متعددة، النقل والطاقة المنزلية وتكاليف الأعمال معاً.

العامل الثالث أن بريطانيا أكثر حساسية سياسياً واجتماعياً للتضخم بعد سنوات طويلة بقي فيها فوق الهدف. عضوة لجنة السياسة النقدية في بنك إنجلترا ميغان غرين قالت إن الخطر الأكبر في نظرها هو ترسخ التضخم إذا انتظر البنك طويلاً، وأشارت إلى أن الأسر البريطانية قد تكون أصبحت أكثر حساسية لصدمات الأسعار مما كانت عليه سابقاً. هذه الحساسية تجعل أثر الصدمة لا يمر كزيادة أسعار فقط، بل كمشكلة ثقة وإنفاق وتوقعات.

قناة الغاز قبل النفط

في النقاش الشعبي، تبدو الحرب عادة قصة نفط أولاً. لكن الحالة البريطانية في 2026 بدت أقرب إلى قصة غاز أيضاً، وربما قبل النفط في بعض الجوانب. لأن بريطانيا تعتمد على الغاز في تدفئة البيوت وفي سوق الكهرباء، ولأن أي ارتفاع كبير في الأسعار العالمية ينعكس لاحقاً على فواتير الأسر وعلى كلفة الإنتاج. مجلس العموم حذر من أن ارتفاع أسعار الغاز سيؤدي على الأرجح إلى زيادة أسعار الغاز المنزلية في وقت لاحق من 2026، كما حذر من أن الشركات ستواجه بدورها تكاليف أعلى قد تنقلها جزئياً إلى المستهلك.

هذا ما جعل الحرب أكثر كلفة على بريطانيا من بعض اقتصادات السبع الأخرى. ليس لأن لندن أقرب إلى ساحة الحرب، بل لأن اقتصادها يترجم صدمة الغاز إلى تضخم داخلي أسرع. وحين ترتفع أسعار الطاقة في بلد يعتمد فيه المستهلك بكثافة على الغاز المنزلي، وتبقى فيه الطاقة الصناعية مكلفة أصلاً مقارنة بدول متقدمة أخرى، فإن أثر الصدمة يصبح مزدوجاً، يضغط على الأسر وعلى الشركات في وقت واحد.

وما يزيد من حساسية هذه القناة أن بريطانيا لم تكن تملك مساحة كبيرة لامتصاص الضربة عبر دعم واسع. رئيس خبراء الاقتصاد في صندوق النقد تحدث في المؤتمر الصحافي عن أن التدخلات من نوع السقوف والدعم الشامل للطاقة غالباً ما تكون مكلفة وصعبة الإلغاء، وأن الدول ذات الديون المرتفعة لا تملك رفاهية اللجوء إليها بسهولة. هذا يفسر لماذا بدا الاقتصاد البريطاني أكثر انكشافاً، لا لأنه يستهلك طاقة أكثر من الجميع، بل لأن مرونته المالية والسياسية في مواجهة صدمة الطاقة بدت أضيق.

تضخم أعلى وفائدة أطول

حين تمر الصدمة عبر الطاقة، لا تقف عند فاتورة الوقود. بنك إنجلترا قال في سجل لجنة السياسة المالية في أبريل إن الحرب في الشرق الأوسط أطلقت صدمة عرض سلبية كبيرة ستضغط على النمو وترفع التضخم وتشدّد الشروط المالية. ومجلس العموم أشار إلى أن البنك كان يتوقع في 19 مارس أن يتراوح التضخم بين 3 و3.5 بالمئة في الربعين الثاني والثالث من 2026 بسبب ارتفاع أسعار الطاقة، بعدما كان متوقعاً أن يقترب من 2 بالمئة من أبريل فصاعداً قبل الحرب.

هذا التحول مهم لأنه يعني أن الصدمة لم تبطئ الاقتصاد وحده، بل قيّدت أيضاً أداة التخفيف الرئيسية المتاحة له، أي خفض الفائدة. فإذا كان ارتفاع الطاقة يعيد دفع التضخم إلى الأعلى، فإن بنك إنجلترا يصبح أقل استعداداً لتقديم تيسير سريع، حتى لو كان النشاط الاقتصادي يتباطأ. وهنا تظهر المفارقة البريطانية بأوضح صورها، نمو أضعف يحتاج إلى دعم، لكن تضخم الطاقة يجعل هذا الدعم النقدي أكثر صعوبة.

رويترز نقلت عن صندوق النقد أيضاً أن التضخم البريطاني قد يبقى قرب 3.2 بالمئة في 2026 مع ذروة قد تقترب من 4 بالمئة. وحتى إذا لم يتحقق هذا السيناريو بالكامل، فإن مجرد تحوله إلى احتمال معقول يكفي لتغيير سلوك المستهلك والشركات والأسواق. فالاستثمار يتردد، والإنفاق الاستهلاكي يبرد، وتصبح كلفة الاقتراض الأعلى جزءاً من المشكلة لا مجرد أداة لمعالجتها.

هل المشكلة في الحرب وحدها

الجواب الأقرب إلى الدقة هو لا. الحرب كانت الصدمة المباشرة، لكنها لم تخلق هشاشة الاقتصاد البريطاني من الصفر. ما فعلته هو أنها كشفتها وضاعفتها. فإذا كان النمو قبل الحرب متواضعاً، وإذا كانت المالية العامة مقيدة، وإذا كانت الأسر ما تزال حساسة للتضخم، وإذا كانت بنية الطاقة تجعل أثر الغاز سريع النفاذ، فإن أي صدمة خارجية من هذا النوع ستكون أشد وطأة على بريطانيا من اقتصادات تملك وضعاً مالياً أريح أو طاقة أقل تقلباً أو طلباً داخلياً أكثر صلابة.

ولهذا بالضبط، بدت حرب إيران أكثر كلفة على بريطانيا من بقية السبع في لحظة خفض صندوق النقد. المسألة ليست أن الحرب استهدفت لندن اقتصادياً، بل أن الاقتصاد البريطاني كان أكثر قابلية لالتقاط هذه الصدمة وتحويلها إلى خفض أكبر في النمو. وهذا ما يجعل الحدث مهماً أبعد من رقمه المباشر. لأنه يكشف أن بريطانيا لا تواجه فقط تقلبات الخارج، بل تواجه أيضاً حدود قدرتها الداخلية على امتصاصها.

من هنا أيضاً جاء تركيز بعض صناع القرار والخبراء البريطانيين على ضرورة تسريع الاستثمار في مصادر الطاقة المحلية والأقل تقلباً. فإذا كانت الحرب قد أعادت التذكير بشيء، فهو أن التعرض المرتفع للغاز المستورد لا يبقى شأناً في الطاقة وحدها، بل يتحول سريعاً إلى شأناً في التضخم والفائدة والنمو ومستوى المعيشة.

خاتمة

بدا أثر حرب إيران على الاقتصاد البريطاني أكبر من بقية السبع لأن الصدمة دخلت اقتصاداً أبطأ نمواً، وأكثر حساسية للتضخم، وأشد تعرضاً لقناة الغاز المستورد وفواتير الطاقة. ولهذا لم يكن خفض صندوق النقد إلى 0.8 بالمئة مجرد رقم سيئ، بل تلخيصاً لموقع بريطاني أكثر هشاشة داخل الصدمة نفسها.

المسألة، في جوهرها، ليست أن بريطانيا خسرت أكثر لأن الحرب كانت أعنف عليها من غيرها، بل لأنها التقطت الصدمة من أكثر نقاطها إيلاماً. الطاقة رفعت التضخم، التضخم قيد الفائدة، والفائدة الأشد أبقت النمو تحت ضغط. وهذا هو التسلسل الذي جعل الخفض البريطاني يبدو أكبر، وجعل الحرب أكثر كلفة على لندن من معظم شركائها في السبع.

اقرأ أيضاً: لندن تطلق صندوق دعم المستأجرين: كيف يفيدك؟

إلغاء مشروع Camden Highline.. حين تصطدم المدن الخضراء بالأزمات الاقتصادية
أماكن مميزة10 ساعات منذ

إلغاء مشروع Camden Highline.. حين تصطدم المدن الخضراء بالأزمات الاقتصادية

إلغاء NHS England: هل تنجح الحكومة في إعادة مركزية القرار الصحي؟
سياسة11 ساعة منذ

إلغاء NHS England: هل تنجح الحكومة في إعادة مركزية القرار الصحي؟

إلى أين تتجه أسعار العقارات في أكسفورد؟
المعيشة12 ساعة منذ

إلى أين تتجه أسعار العقارات في أكسفورد؟

أزمة الثقة تضرب الأسواق البريطانية.. السياسة ترفع كلفة الاقتراض في المملكة المتحدة
أخبار لندنيوم واحد منذ

أزمة الثقة تضرب الأسواق البريطانية.. السياسة ترفع كلفة الاقتراض في المملكة المتحدة

بريطانيا في مضيق هرمز: drones وسفن وطائرات لحماية شريان النفط العالمي
سياسةيوم واحد منذ

بريطانيا في مضيق هرمز: drones وسفن وطائرات لحماية شريان النفط العالمي

هل التقارب البريطاني مع الاتحاد الأوروبي إنقاذ سياسي أم عودة خفية للبريكست؟
سياسةيوم واحد منذ

هل التقارب البريطاني مع الاتحاد الأوروبي إنقاذ سياسي أم عودة خفية للبريكست؟

أفضل شركات الطيران في العالم: هل نجحت الشركات البريطانية في دخول القائمة؟
منوعاتيومين منذ

أفضل شركات الطيران في العالم: هل نجحت الشركات البريطانية في دخول القائمة؟

جفاف مبكر يهدد إنجلترا.. كيف تكشف أزمة الأنهار هشاشة الأمن المائي في بريطانيا؟
أخبار لندنيومين منذ

جفاف مبكر يهدد إنجلترا.. كيف تكشف أزمة الأنهار هشاشة الأمن المائي في بريطانيا؟

كيف نحافظ على صحة الدماغ مع التقدم في العمر؟
منوعاتيومين منذ

كيف نحافظ على صحة الدماغ مع التقدم في العمر؟

تقليص أيام العمل في بريطانيا يثير جدلاً بين الصحة والاقتصاد والسمنة
العمل3 أيام منذ

تقليص أيام العمل في بريطانيا يثير جدلاً بين الصحة والاقتصاد والسمنة
















X