تحوّل إيقاع العمل من صفارة المصنع إلى إشعار البريد، ومن الجدول الصارم إلى المرونة، لكن السؤال الذي يطلّ اليوم على بريطانيا هو: هل تستطيع البلاد أن تعيد ضبط أسبوعها على أربعة أيام فقط من دون خسارة في الإنتاجية أو الخدمة العامة؟ تتزايد الوقائع التي تدفع بهذا السؤال إلى مقدمة النقاش العام، من شركات ربحت ولاء موظفيها بعد تقليص الساعات، إلى تجارب بلدية أثارت جدلاً صاخباً في وستمنستر.
وبين التفاؤل والشك، تتبدّى معالم تحولٍ أعمق في ثقافة العمل، لا يمس عدد الأيام وحسب، بل معنى الإنجاز ذاته.
أسبوع عمل بأربعة أيام من حلم إلى سياسة محتملة؟
المشهد السياسي والاقتصادي في لندن يعرف هذا الملف جيداً. أكثر من مئة قائد أعمال ومنظمة خيرية دعوا الحكومة في 30 أكتوبر/تشرين الأول 2025 إلى قيادة انتقال مُنظّم نحو «أسبوع عمل بأربعة أيام»، مستندين إلى نجاحات في القطاعين العام والخاص، ومطالبين بتوجيه وطني بدل الإملاءات المتضاربة.
جاءت الدعوة بعد سجال حول تجربة مجلس ساوث كامبريدجشير، أول سلطة محلية تعتمد النمط في إنجلترا؛ إذ انتقدها وزير الحكومة المحلية مستنداً إلى ملاحظات عن أداء الإسكان، بينما أكد قادة المجلس ثبات معظم الخدمات وتحقيق وفورات سنوية بنحو 399 ألف جنيه عبر خفض الاعتماد على العمالة المؤقتة.
الأرقام الإطارية لا تقل لفتاً: ما يزيد على 200 ألف عامل في المملكة المتحدة، ونحو 430 شركة، تحوّلوا بالفعل إلى جداول أقصر منذ الجائحة، فيما تفكر عشرات المجالس في تجارب مشابهة. هذه ليست همسات هامشية؛ إنها كتلة حرجة تُغيّر المزاج العام تجاه «أسبوع عمل بأربعة أيام».
من التجربة إلى الدليل: ماذا تقول الأرقام؟
في أواخر 2022 قادت «أوتونومي» و«4 Day Week Global» أكبر تجربة من نوعها شملت 61 شركة ونحو 2900 موظف على امتداد ستة أشهر. الخلاصة جاءت مطمئنة لأصحاب الأعمال: الإيرادات بقيت مستقرة أو تحسّنت مقارنةً بالفترة السابقة، فيما انخفضت أيام المرض وتراجعت نِسَب الاحتراق الوظيفي، وأعربت الغالبية الساحقة عن نيتها الاستمرار.
قدّمت وكالات أنباء وهيئات بحثية ملخّصات متقاربة: نمو إيرادات طفيف في المتوسط، وقرارات واسعة بالترسيم الدائم للنظام بعد انتهاء التجربة. هذا ليس «تساهلاً اقتصادياً» بقدر ما هو إعادة هندسة لطرق الأداء.
النتائج لا تقتصر على بريطانيا. التجربة الحكومية في البرتغال عام 2024–2025، التي شملت نحو أربعين شركة، سجّلت انخفاضاً في ساعات العمل الفعلية وزيادة واضحة في الرضا وجودة الحياة؛ أكثر من 60% من الموظفين أفادوا بوقت أطول مع العائلة، فيما قيّمت 95% من الشركات التجربة بإيجابية. هذه مؤشرات على أن «أسبوع عمل بأربعة أيام» ليس وصفة محلية، بل ظاهرة قابلة للتكيّف مع أسواق أوروبية متباينة.
ما وراء اليوم الخامس: إنتاجية وأثر إنساني
المؤيدون يتحدثون عن منافع تتجاوز المعنويات إلى صلب الأداء: تقليص الاحتراق الوظيفي، تراجع معدلات الاستقالات، واستقطاب مواهب جديدة تبحث عن بيئات عمل رشيدة. بيانات المتابعة الطويلة لدى «4 Day Week Global» تُظهر استمرار المكاسب بعد عام كامل من التطبيق، مع تراجع ملحوظ في الإرهاق وتحسّن في القدرة على الإنجاز، وظلّت الإيرادات على مسار نمو معقول.
هذه النتائج تشرح لماذا باتت عبارة «أسبوع عمل بأربعة أيام» نقطة جذب في إعلانات التوظيف، وسلاحاً تنافسياً للشركات الصغيرة التي لا تنافس الرواتب الضخمة لكنها تعرض وقتاً نوعياً للحياة.
على الضفة الأخرى، لا تزال التحديات قائمة في الخدمات التي تعمل على مدار الساعة، والقطاعات ذات ذروة الطلب غير المنتظمة. هنا تبرز مسألة التصميم أكثر من المبدأ: تقليل الساعات إلى 32 بدلاً من ضغطها على أربعة أيام طويلة، تدوير المناوبات بذكاء، والاعتماد على قياسات إنتاجية دقيقة لا على عدد الساعات.
تجربة آيسلندا تقدم درساً مهمّاً؛ فالبلاد لم تُلزم الجميع بأربعة أيام، بل خفّضت الساعات إلى 35–36 مع المحافظة على الأجر، ما دعم الصحة النفسية وفتح الباب لاتفاقات جماعية أوسع حول تقليص الدوام. الرسالة واضحة: ليست «الأربعة أيام» صنماً، بل إطاراً مرناً لإعادة توزيع الجهد.
سياسة ذكية أم مقامرة اجتماعية؟
تحتاج الحكومة البريطانية، إن قررت المضي، إلى مقاربة «تشجّع وتُقوّم» بدلاً من «تفرض وتمنع». الدعوة التي حملتها منظمات الأعمال والقطاع الأهلي طالبت بدور قيادي في التنسيق ووضع خطوط إرشاد، مع ترك مساحة للاجتهاد المحلي والقطاعي. كما أن إشراك النقابات وأرباب العمل في رسم معايير القياس سيكون حاسماً: الهدف ليس أن يعمل الجميع أربعة أيام، بل أن يعملوا أقل وأفضل مع خدمة عامة لا تتراجع.
المؤكد أن النقاش لم يعد نخبوياً؛ إنه ملف رأي عام يتقاطع مع الرفاه، والمناخ، والتنمية المحلية، وتنافسية سوق العمل التي تغيّرت مع العمل الهجين والرقمنة. ويبقى الامتحان الأهم هو النزاهة في تقييم النتائج، لا الخضوع لحدسٍ قديم بأن الساعات الأطول تعني تلقائياً جودةً أعلى.
إلى أين تتجه البوصلة؟
إذا صحّ أن التكنولوجيا تُضاعف القدرة على الإنجاز، فمن المنطقي أن تُعيد المجتمعات توزيع وقتها. «أسبوع عمل بأربعة أيام» ليس شعاراً عاطفياً، بل مقترح يستند إلى شواهد ميدانية من المملكة المتحدة والبرتغال وتجارب سابقة في آيسلندا، وتتسع له نماذج تشغيل ذكية تُراعي خصوصية الصحة، والتعليم، والنقل، والخدمات البلدية.
الطريق إلى سياسة وطنية، إن كُتب لها أن تتشكل، يمر عبر المزيد من التجارب المراقَبة، ومقاييس شفافة، وشراكات محلية تُثبت أن جودة الخدمة للمواطن تقف في صدارة كل ساعة مُدخرة. عندها فقط يصبح تقليص اليوم الخامس مكسباً جماعياً لا خصماً على المصلحة العامة.
اقرأ أيضاً: لهذا السبب.. بريطانيا تؤجل العمل على أكبر حقل نفط لديها