لم تعد محاولات التهرب من دفع أجور القطارات في بريطانيا تقتصر على القفز فوق الحواجز أو محاولة المرور خلف مسافر آخر عند بوابات المحطات، فانتقال نظام التذاكر إلى الهواتف المحمولة فتح الباب أمام أساليب جديدة للتحايل، بعضها لا يحتاج أكثر من بضع نقرات على شاشة الهاتف قبل الوصول إلى المحطة.
وفي مواجهة ذلك، بدأت شركات تشغيل القطارات في إنجلترا اتخاذ إجراءات أكثر تشدداً ضد ما بات يعرف بحيل التذاكر الرقمية، بعدما كشفت عمليات الفحص عن استخدامات احتيالية واسعة لبعض أنواع التذاكر، في وقت تستعد فيه شبكة السكك الحديدية البريطانية لمرحلة جديدة مع خطط إعادة تأميم القطاع العام المقبل.
تذكرة لآخر جزء من الرحلة
من أبرز الأساليب التي تحاول شركات القطارات الحد منها ما يعرف بـ”Short-faring”، حيث يشتري الراكب تذكرة رقمية رخيصة في اللحظات الأخيرة، تغطي فقط الجزء الأخير من الرحلة، بهدف استخدامها لعبور بوابات الوصول، رغم أنه يكون قد صعد إلى القطار من محطة أبعد بكثير.
وبدأت شركتا South Western Railway وGTR، التي تشغل خدمات Thameslink وSouthern وغيرها، تطبيق إجراءات جديدة للحد من هذه الممارسة. وفي بعض المسارات، لم يعد بإمكان المسافر تحميل التذكرة الرقمية على هاتفه، بل أصبح مطالباً بالحصول على تذكرة ورقية من آلة البيع.
وتشمل الإجراءات الجديدة مسارات مثل الرحلات بين Vauxhall وWaterloo، إضافة إلى بعض المسارات الأخرى، بعدما اكتشفت الشركات أن ما يصل إلى 95% من التذاكر المستخدمة في بعض الرحلات القصيرة كانت تستعمل بصورة احتيالية.
400 مليون جنيه خسائر سنوية
وتقول وزارة النقل البريطانية إن الاحتيال على شبكة السكك الحديدية يكلفها ما يصل إلى 400 مليون جنيه إسترليني سنوياً، عبر أساليب تتراوح بين الحيل الرقمية والطرق التقليدية. ومن بين الأساليب التي تواجهها الشركات ما يسمى “Quick scanning”، حيث يشتري المسافر تذكرة من هاتفه قبل ثوانٍ من وصول مفتش التذاكر، إضافة إلى “Tailgating”، أي المرور خلف مسافر آخر عبر البوابة بعد أن يمرر تذكرته.
وهناك أيضاً ما يعرف بـ”Donutting”، وهي طريقة يشتري فيها المسافر تذكرة رخيصة تغطي بداية الرحلة وأخرى تغطي نهايتها، متجنباً بذلك شراء التذكرة الكاملة التي تكون أغلى ثمناً.
وفي إحدى القضايا اللافتة، تلقى جوزيف مولوي Joseph Molloy، وهو مدير تنفيذي سابق في بنك HSBC، حكماً مع وقف التنفيذ بعد استخدام هذه الطريقة 740 مرة أثناء تنقله بين Orpington في مقاطعة كِنت وLondon Bridge، وتمكن وفق القضية من توفير 5911 جنيهاً إسترلينياً خلال 11 شهراً.
اقرأ أيضاً: الإنترنت في القطارات البريطانية.. رحلة طويلة نحو اتصال أفضل
التكنولوجيا التي صنعت المشكلة قد تكون جزءاً من الحل
يرى المعلق في شؤون السكك الحديدية والكاتب كريستيان وولمار Christian Wolmar أن انتقال بريطانيا من التذاكر الورقية إلى الرقمية خلق فرصاً جديدة للتحايل لم تكن موجودة بالطريقة نفسها في النظام السابق. ويشير إلى أن شراء التذاكر عبر الإنترنت سهّل العملية بالنسبة للمسافرين، لكنه في الوقت نفسه جعل اكتشاف بعض المخالفات أكثر صعوبة، خصوصاً مع تراجع الاعتماد على موظفي المحطات والمكاتب التقليدية.
ولهذا تتجه السلطات البريطانية إلى استخدام التكنولوجيا نفسها لملاحقة المخالفات، إذ وسعت وزارة النقل تجربة تطبيق يستطيع احتساب قيمة الرحلة من خلال تتبع حركة هاتف المستخدم. وتُجرى التجربة حالياً على عدد من المسارات في منطقتي East Midlands وYorkshire، مع إمكانية توسيع استخدامها مستقبلاً ضمن شبكة Great British Railways التي يفترض أن تتولى إدارة الشبكة بعد إعادة تأميمها.
33 مليون جنيه للبوابات الجديدة
ولا تعتمد خطة مكافحة التهرب على التكنولوجيا وحدها، إذ خصصت وزارة النقل البريطانية 33 مليون جنيه إسترليني لإنشاء بوابات تذاكر جديدة أو تطوير البوابات الموجودة في المحطات التي تسجل معدلات مرتفعة من التهرب من الدفع. كما أغلقت الوزارة ثغرة أخرى كانت تسمح لبعض المسافرين بالمطالبة باسترداد قيمة التذاكر رغم استخدامهم الخدمة فعلياً.
وتقول شركة South Western Railway إن إحدى عمليات التدخل في محطة Brighton أظهرت أن نصف المسافرين الذين كانوا يستخدمون تذاكر غير صحيحة اعتمدوا أسلوب شراء تذكرة للجزء الأخير من الرحلة.
المسافرون أيضاً يطالبون بالتشدد، ولا يبدو أن الإجراءات الجديدة تواجه اعتراضاً واسعاً من الركاب الذين يدفعون قيمة تذاكرهم كاملة. وقالت ديانا سميث Deanna Smith، التي كانت تستقل قطار Thameslink برفقة شريكها لزيارة مهرجان للقهوة، إن التهرب من دفع الأجرة ينعكس في النهاية على جميع الركاب، خصوصاً في ظل ارتفاع أسعار الرحلات.
أما نيكولا غاريت Nicola Garrett، التي كانت في رحلة إلى Brighton مع صديقة لها من مدينة Leigh-on-Sea، فقالت إنها تنزعج من الأشخاص الذين يحاولون التهرب من دفع أجورهم، معتبرة أن انتشار فكرة “إذا استطعت الإفلات فلماذا لا أفعل؟” يضر بمن يلتزمون بالدفع. وتأتي هذه الإجراءات في وقت تشهد فيه السكك الحديدية البريطانية تحولاً واسعاً في طريقة تشغيلها وتمويلها، ومع اقتراب إنشاء Great British Railways كهيئة عامة تتولى إدارة شبكة القطارات التي تتجه تدريجياً نحو الملكية العامة.
وبذلك، لا تبدو معركة بريطانيا مع “المتهربين من دفع التذاكر” مجرد محاولة لاسترداد مئات ملايين الجنيهات، بل اختباراً لقدرة النظام الجديد على تحقيق التوازن بين سهولة السفر الرقمية، والرقابة، ومنع تحول التكنولوجيا التي يفترض أن تجعل حياة الركاب أسهل إلى أداة جديدة للتحايل على الأسعار.