معروفة بريطانيا بتقلبات الطقس الغريبة. فمنذ أشهر فقط كانت الفيضانات هي عنوان طقسها، واليوم تحولت إلى الجفاف الشديد مع إعلان وكالة البيئة أن نصف البلاد تعاني من الجفاف. وهذا لا يرتبط بالأشهر السابقة فقط، بل هو نتيجة التغير المناخي الذي يضرب العالم، ويجعل الجو متقلباً جداً. فأوروبا مثلاً تعيش أسوأ مراحل تغير المناخ بعد موجات الحر التي ضربتها خلال الفترة السابقة. وهذا الأمر ينطبق أيضاً على بريطانيا، التي تغير شتاؤها بشكل كبير، وأصبح صيفها أكثر جفافاً وحرارةً، مما أثر على الزراعة، ومسَّ حياة ملايين الناس عبر التقنين في استهلاك المياه بالمنازل، وأثر على مستقبل الموارد المائية في البلاد.
الجفاف يتمدد في نصف إنجلترا
شكل الخبر الذي أعلنته وكالة البيئة Environment Agency صدمةً بالنسبة للكثير من السكان، بعد أن قالت إن نحو نصف إنجلترا دخلت رسمياً مرحلة الجفاف، بعد أشهر من قلة الأمطار وارتفاع درجات الحرارة بشكل غير معتاد. وشمل الإعلان سبع مناطق رئيسية، هي: شرق أنجليا East Anglia، وهيرتفوردشاير Hertfordshire، ولندن London، ووادي التايمز Thames Valley، وهامبشاير وجزيرة وايت Hampshire and Isle of Wight، وديفون وكورنوال Devon and Cornwall، وغرب ميدلاندز West Midlands، وويسيكس Wessex.
ولعل أبرز ما لفت الانتباه هو شهر يوليو، الذي لم يسقط فيه سوى 7% من الأمطار المعتادة، بينما انخفضت النسبة في جنوب إنجلترا إلى 1% فقط. وفي بعض مناطق ديفون لم تهطل أي أمطار لمدة 50 يوماً متتالية، وهو أمر نادر في بلد يشتهر بأمطاره على مدار العام.
وتقول هيلين ويكهام Helen Wakeham، مديرة قسم المياه في وكالة البيئة، إن المشكلة لا تقتصر على قلة الأمطار، بل تتجاوزها إلى حجم استهلاك الناس للمياه، مع عدم القدرة على تعويضها. لذلك دعت الجميع إلى ترشيد الاستهلاك، مؤكدةً أن كل كمية يتم توفيرها تساعد البيئة والزراعة على مواجهة الأزمة.
وعلى الرغم من امتلاء الخزانات والمياه الجوفية بالمياه نتيجة الأمطار الغزيرة، إلا أن موجات الحر المتتالية استنزفت هذه الاحتياطيات بسرعة. واليوم أصبحت مستويات المياه في كثير من الخزانات أقل من المعدل الطبيعي، بينما وصلت بعض الخزانات، مثل ويمبلبول Wimbleball Reservoir وبلاغدون Blagdon Reservoir، إلى مستويات منخفضة.
أزمة لا تتوقف عند نقص المياه
قد يعتقد كثيرون أن كلمة جفاف تعني قلة الأمطار، لكن الواقع معقد لدرجة أن المشكلة تنتقل إلى قطاعات عديدة. حيث يخضع نحو 40% من سكان إنجلترا لقيود على استخدام خراطيم المياه، بعدما فرضت سبع شركات للمياه إجراءات لترشيد الاستهلاك. وفي الوقت نفسه، كشفت دراسة أجرتها غرينبيس المملكة المتحدة Greenpeace UK أن شبكات المياه المتسربة تهدر كميات من المياه تعادل خمسة أضعاف ما يمكن توفيره عبر هذه القيود، وهو ما أثار مطالبات بتحديث البنية التحتية قبل مطالبة السكان بالمزيد من الترشيد.
كما تضررت الأنهار بشكل واضح، إذ أصبحت 78% من أنهار إنجلترا أقل من مستوياتها الطبيعية، ووصلت 17% منها إلى مستويات منخفضة جداً. وهذا الانخفاض يمنع الأسماك المهاجرة، مثل سمك السلمون الأطلسي، من التحرك في الأنهار، كما يؤدي إلى انخفاض الأكسجين في المياه، مما يهدد الحياة المائية. وفي بعض المناطق اضطرت وكالة البيئة إلى التدخل لإنقاذ الأسماك باستخدام أنظمة تهوية خاصة.
أما الزراعة فهي من أكثر القطاعات تضرراً، حيث يؤكد بول تومبكينز Paul Tompkins، نائب رئيس الاتحاد الوطني للمزارعين، أن نقص المياه يهدد إنتاج الغذاء، وأن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى تراجع المحاصيل وارتفاع أسعار المنتجات الزراعية.
الحرارة القياسية تزيد الوضع صعوبة
يأتي الجفاف مع مجيء موجة الحر الرابعة التي تضرب بريطانيا خلال هذا الصيف، حيث وصلت درجات الحرارة إلى 35 درجة مئوية، بينما سجل شهر يونيو رقماً قياسياً جديداً بلغ 38 درجة مئوية، وفق مكتب الأرصاد الجوية Met Office.
وتعمل الحرارة المرتفعة على تبخر المياه من التربة والأنهار والنباتات بسرعة، وهذا ما يجعل الجفاف أكثر سوءاً حتى لو هطلت أمطار خفيفة. بالإضافة إلى ازدياد خطر نشوب الحرائق في الغابات، وقد شهدت المناطق الطبيعية المحمية في إنجلترا أكثر من 110 حرائق منذ بداية العام.
ولا تقتصر الأزمة على اليابسة فقط، فحتى المياه المحيطة بالمملكة المتحدة تشهد موجات حر بحرية، وهذا ما يهدد الكائنات البحرية ويزيد احتمالات نفوق بعض الأنواع إذا استمرت درجات الحرارة في الارتفاع.
بريطانيا ليست وحدها… وأوروبا تواجه صيفاً استثنائياً
ما يحدث في بريطانيا هو جزء من أزمة واسعة تعيشها أوروبا خلال صيف 2026. فبحسب برنامج كوبرنيكوس Copernicus، شهدت مناطق واسعة من القارة، من البرتغال حتى جنوب فنلندا، أمطاراً أقل من المعتاد، بالتزامن مع موجات حر متكررة.
وتسببت هذه الظروف في حرائق غابات واسعة في فرنسا وإسبانيا، وخسائر كبيرة في المحاصيل الزراعية، وانخفاض منسوب الأنهار، وتعطل نقل البضائع، إلى جانب مخاوف من تراجع إنتاج الطاقة الكهرومائية.
ولحل هذه المشكلة في بريطانيا، يرى الخبراء أنه لا يجب انتظار الأمطار، بل يجب البدء باستثمارات كبيرة في تخزين المياه وبناء خزانات جديدة. وتزداد أهمية هذه الخطوة مع توقعات تشير إلى أن إنجلترا ستحتاج بحلول عام 2055 إلى خمسة مليارات لتر إضافية من المياه يومياً، في وقت لم يُبنَ فيه أي خزان رئيسي جديد منذ عام 1992.
في النهاية، الجفاف أزمة عالمية تعاني منها دول بطرق متفاوتة، إلا أنها في بريطانيا بدأت تأخذ منحى أكثر جدية بسبب خضوع نصف البلاد للجفاف. ويبقى السؤال الوحيد الذي يبحث عن إجابة: هل تودع بريطانيا أجواءها الماطرة ويحل محلها الجفاف بشكل كامل؟
اقرأ أيضاً: مواجهة التغير المناخي وبريطانيا