بريطانيا قد تتصدر مجموعة السبع في النمو.. لماذا لا يشعر البريطانيون بأن الأزمة انتهت؟
تابعونا على:

سياسة

بريطانيا قد تتصدر مجموعة السبع في النمو.. لماذا لا يشعر البريطانيون بأن الأزمة انتهت؟

نشر

في

642 مشاهدة

بريطانيا قد تتصدر مجموعة السبع في النمو.. لماذا لا يشعر البريطانيون بأن الأزمة انتهت؟

يحمل الاقتصاد البريطاني مفارقة صالحة لعناوين متناقضة في اليوم نفسه. فقد نما الناتج المحلي 0.6 في المئة في الربع الأول من 2026 و0.4 في المئة في الربع الثاني، ما يضع بريطانيا في موقع يؤهلها لتصدر دول مجموعة السبع في النصف الأول بحسب المقارنات الأولية. وفي المقابل، لا تزال كلفة المعيشة تتصدر مخاوف الناس، وتراجعت مبيعات التجزئة في تموز، وارتفعت فاتورة الطاقة، وبقيت الأسر تتعامل مع أسعار أعلى بكثير مما كانت عليه قبل خمس سنوات.

نمو الاقتصاد البريطاني: صدارة نسبية لا تُلغي كلفة السنوات الصعبة

لا يعني ذلك أن الأرقام مزيفة أو أن شعور الناس غير عقلاني. الناتج المحلي يقيس تدفق الإنتاج في الاقتصاد، بينما يقيس المواطن ما يستطيع راتبه شراءه، وما يدفعه للسكن والطاقة والضرائب، وكم ينتظر للحصول على خدمة عامة. وقد يتحسن التدفق اليوم من دون أن يعكس تراجعاً في مستوى الأسعار الذي تراكم أمس. لذلك، فإن السؤال عن غياب الإحساس بالتعافي هو في جوهره سؤال عن القاعدة التي بدأ منها النمو، وعن توزيعه، وعن الفرق بين حجم الاقتصاد ومستوى معيشة الفرد.

لماذا تبدو بريطانيا سريعة داخل مجموعة بطيئة؟

الصدارة المحتملة تخص النصف الأول من العام، لا حكماً نهائياً على 2026. وقد استفادت القراءة من نمو الخدمات 0.5 في المئة في الربع الثاني، ومن تحسن الاستثمار التجاري 1.7 في المئة، بينما نما استهلاك الأسر 0.3 في المئة وبقي الإنتاج الصناعي ثابتاً. ولأن أداء اقتصادات مجموعة السبع نفسها فاتر، تكفي زيادة بريطانية متوسطة لتبدو قوية في الترتيب النسبي. إنها صدارة داخل سباق بطيء، وليست عودة إلى معدلات توسع استثنائية.

كما تحتاج أرقام النصف الأول إلى الحذر من أثر التوقيت والموسمية. بعض المسوح سجل أعلى نشاط للخدمات في ستة أشهر وتحسناً في ثقة المستهلك، لكن التقديرات الشهرية والفصلية يمكن أن تُراجع، وقد تتأثر بمواعيد العطل والإنفاق والمخزون. لهذا أبقى صندوق النقد توقعه لنمو بريطانيا في 2026 قرب 1 في المئة، وقدرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية النمو بنحو 0.9 في المئة. كلا التقديرين يصف اقتصاداً يتحسن، لكنه لا يعلن طفرة قادرة وحدها على إصلاح عقد من ضعف الإنتاجية والدخل.

الأسعار تتباطأ ولا تعود إلى الوراء

أكبر فجوة بين الخبر الاقتصادي والتجربة اليومية تنشأ من سوء فهم التضخم. عندما ينخفض المعدل، فهذا يعني أن الأسعار ترتفع بسرعة أبطأ، لا أنها رجعت إلى مستوياتها السابقة. ووفق حسابات مكتبة مجلس العموم، زادت أسعار المستهلكين 30.7 في المئة بين كانون الثاني 2021 وحزيران 2026، مقابل 8.7 في المئة فقط في الأعوام الخمسة والنصف التي سبقتها. الأسر لا تقارن فاتورة هذا الشهر بالشهر الماضي وحده، بل بذاكرة أوسع عن الطعام والإيجار والكهرباء قبل موجة الغلاء.

وفي تموز 2026 ارتفع تضخم أسعار المستهلك إلى 2.9 في المئة من 2.6 في المئة في حزيران. وساهمت الطاقة والنقل بقوة؛ فقد ارتفع سقف أسعار الطاقة المنزلي 13 في المئة للفترة بين تموز وأيلول، وسجلت أسعار الغاز ومشتقات الوقود زيادات سنوية واضحة. هذه البنود لا يمكن للأسرة الاستغناء عنها بسهولة، ولذلك يكون أثرها النفسي والمالي أكبر من وزنها في متوسط عام. وقد أظهرت مؤشرات تكاليف الأسر أن التضخم الذي واجهته الأسر ذات الدخل المنخفض بلغ 3.7 في المئة في آذار، ما يوضح أن «التضخم المتوسط» لا يصف الجميع بالتساوي.

الأجر يتحسن.. لكن الهامش ضيق

نما الأجر الاسمي المنتظم بنحو 3.5 في المئة في الأشهر الثلاثة حتى حزيران، وهي زيادة تتجاوز تضخم تموز بفارق محدود إذا قورنت على نحو تقريبي. لكنها لا تعوض تلقائياً ما فُقد في السنوات السابقة، ولا تصل بالطريقة نفسها إلى جميع القطاعات. أظهرت بيانات سوق العمل فرقاً كبيراً بين نمو الأجر في القطاعين العام والخاص بسبب التوقيت، فيما بلغ معدل البطالة 4.9 في المئة. يشعر العامل بالتعافي عندما تصبح الزيادة الحقيقية مستمرة وتسمح بالادخار، لا عندما تُستهلك فوراً في فاتورة جديدة.

وتشير مؤسسة ريزولوشن إلى أن دخل النصف الأفقر من الأسر غير المتقاعدة نما في المتوسط 0.5 في المئة سنوياً فقط منذ منتصف العقد الأول من الألفية. حتى التوقعات الأفضل على المدى القصير تصطدم بتجميد شرائح ضريبة الدخل، وتكاليف السكن، وضريبة المجلس المحلي. هذه الاقتطاعات لا تظهر كلها في مؤشر التضخم نفسه، لكنها تحدد الدخل المتاح فعلياً. لذلك قد يسمع الموظف أن الناتج والأجر يرتفعان، ثم يجد أن ما بقي بعد الفواتير لا يتغير.

الفرد لا يعيش داخل الناتج المحلي الإجمالي

ارتفع الناتج الحقيقي للفرد 0.4 في المئة في الربع الثاني و1 في المئة مقارنة بالعام السابق، وهي إشارة أفضل من الفترات التي كان فيها النمو الكلي مدفوعاً بزيادة السكان وحدها. لكن المسافة إلى شعور واسع بالرخاء تبقى كبيرة. متوسط الفرد لا يكشف التوزيع بين لندن وبقية المناطق، ولا بين أصحاب الأصول والمستأجرين، ولا بين القطاعات التي تجذب استثمارات الذكاء الاصطناعي والخدمات التقنية وبين أعمال منخفضة الأجر. وقد ترفع أرباح شركة أو استثمار رأسمالي الناتج قبل أن يصل أثره إلى أجور واسعة.

حتى تركيب النمو في الربع الثاني يشرح جزءاً من المفارقة: الاستثمار التجاري صعد أسرع من استهلاك الأسر، وكان ارتفاع الناتج الاسمي مدفوعاً بدرجة كبيرة بفائض التشغيل الإجمالي، بينما زاد تعويض الموظفين بقدر أقل. الاستثمار خبر إيجابي لأنه يبني قدرة مستقبلية، لكنه لا يتحول إلى دخل فوري لكل بيت. المطلوب أن ينتقل عبر إنتاجية أعلى، ووظائف أفضل، وسلاسل توريد إقليمية، وإلا يبقى التحسن محصوراً في دفاتر الشركات وأسعار الأصول.

الخدمات العامة جزء من مستوى المعيشة

يقيس المواطن الاقتصاد أيضاً عبر ما لا يشتريه مباشرة. عندما تطول قائمة انتظار العلاج، أو تتراجع موثوقية النقل، أو تحتاج الأسرة إلى إنفاق خاص لتعويض مدرسة أو رعاية أو خدمة محلية، ينخفض مستوى المعيشة حتى لو ارتفع الدخل النقدي قليلاً. وفي الربع الثاني انخفض الاستهلاك الحكومي 0.3 في المئة مع مساهمات من الصحة والتعليم. لا يعني رقم فصلي منفرد انهيار الخدمة، لكنه يذكر بأن التعافي الخاص لا ينفصل عن قدرة الدولة على تقديم قيمة ملموسة مقابل الضرائب.

استطلاع مكتب الإحصاء في أيار أظهر أن كلفة المعيشة كانت مصدر قلق لـ89 في المئة من البالغين، تلتها هيئة الصحة الوطنية عند 80 في المئة والاقتصاد عند 72 في المئة. هذه النسب تربط المال بالخدمة العامة في مزاج واحد. فالناس لا ينتظرون إعلان نهاية الركود الفني؛ إنهم ينتظرون أن تتراجع الضغوط المتزامنة. وتراجع مبيعات التجزئة 0.5 في المئة في تموز، رغم تحسنها على أساس ثلاثة أشهر، يوضح أن الثقة المعلنة لا تتحول دائماً إلى إنفاق عند صندوق الدفع.

متى يصبح التعافي محسوساً؟

لكي تتحول صدارة مجموعة السبع إلى قصة معيشية، تحتاج بريطانيا إلى أربعة تحولات متواصلة: نمو الناتج للفرد لا لربع واحد؛ أجور حقيقية ترتفع أسرع من السكن والطاقة والضرائب؛ إنتاجية تنقل ثمار الاستثمار إلى قطاعات ومناطق أوسع؛ وخدمات عامة تقلل ما تضطر الأسرة إلى شرائه من جيبها. كما ينبغي أن يكون التضخم مستقراً بما يسمح للأسر بالتخطيط ولأسعار الفائدة والائتمان بالانخفاض من دون إشعال موجة جديدة.

المؤشر الأصدق لنهاية الأزمة لن يكون ترتيباً دولياً منفرداً، بل اجتماع عدة دلائل: تراجع نسبة الأسر التي تقول إن تكاليفها ترتفع، نمو الدخل المتاح الحقيقي للفرد، تحسن الادخار، انخفاض المتأخرات، وارتفاع الاستهلاك من دون الاعتماد على الدين. عندها يمكن للرقم الكلي أن يتطابق مع الشعور. أما الآن، فبريطانيا تبدو في مرحلة خروج من الجمود، لا في لحظة استعادة كاملة لما خسرته الأسر.

قد تتصدر بريطانيا مجموعة السبع في نمو النصف الأول من 2026، وهذا إنجاز نسبي يستحق التسجيل، لكنه لا يناقض استمرار أزمة المعيشة. فالتضخم ترك مستوى أسعار أعلى بنحو الثلث مما كان عليه مطلع 2021، والنمو ما زال محدوداً بالمعايير التاريخية، ومكاسبه موزعة بصورة غير متساوية، والخدمات العامة والضرائب تقتطعان من الإحساس بالدخل. الاقتصاد تحرك إلى الأمام، لكن كثيراً من الأسر ما زال يقيس المسافة من نقطة تراجع بعيدة. تنتهي الأزمة في الوعي العام عندما يمنح الراتب مساحة بعد الضروريات، وتتحسن الخدمة، ويصبح النمو للفرد مستمراً؛ لا عندما تتغير مرتبة بريطانيا داخل جدول دولي لربعين.

اقرأ أيضاً: 30% من مصانع بريطانيا تحت الهجوم.. هل يهدد القراصنة الاقتصاد البريطاني؟

X