نبضُ غرف العمليات اليوم لم يعد محصوراً في أصابع الجرّاحين وحدها. شاشات تتوهّج بخوارزميات تعلّمت على ملايين الصور، ونماذج لغوية تفكّك الشكاوى الطبية كما لو كانت ملاحظات سريرية طويلة العمر. المشهد آسرٌ ومربكٌ في الوقت ذاته: وعودٌ برعاية أسرع وأدق وأرخص، يقابلها قلقٌ مشروع من حدود التقنية ومسؤولية الخطأ حين يقع. من هنا يبدأ سؤالنا: هل يبتلع الذكاء الاصطناعي الطب، أم يعيد تشكيله على مهل؟
كيف يعيد الذكاء الاصطناعي توزيع الأدوار في المستشفى؟
تتوسع استخدامات الذكاء الاصطناعي في مسارات التشخيص وقراءة الصور الشعاعية وفرز الحالات وتسيير اللوجستيات داخل المستشفيات. وهذا الانخراط المتزايد يَعِدُ بتخفيف الضغط عن الطواقم وتسريع قرارات الرعاية، لكنه يفتح في المقابل ملفاتٍ أخلاقية وتنظيمية معقدة، من قابلية التحيّز إلى الشفافية وآثار “انحياز الأتمتة” على حكم الأطباء.
وأصدرت منظمة الصحة العالمية إرشادات مفصلة لتبنّي النماذج الكبيرة متعددة الوسائط في الصحة، تضم أكثر من أربعين توصية تُشدّد على الحوكمة، والاختبار بعد النشر، ومشاركة أصحاب المصلحة منذ التصميم. هذه الإرشادات تُذكّر بأن الذكاء الاصطناعي ليس عصاً سحرية بل منظومة اجتماعية-تقنية تستلزم ضوابط دقيقة.
من المسؤول إذا أخطأ النظام؟
كلما زادت يد الخوارزمية في القرار الطبي تعقّدت لعبة اللوم عند وقوع ضرر. وفي هذا السياق، يحذّر تقرير حديث تناولته صحيفة الغارديان من أن المرضى قد يواجهون صعوبات في إثبات الخلل حين تكون أنظمة الذكاء الاصطناعي طرفاً في القرار: الوصول إلى تفاصيل التصميم محدود، وإثبات السببية أصعب، والفاعلون – الطبيب، والمطوّر، والمؤسسة – قد يتقاذفون المسؤولية بعقود تعاقدية مسبقة.
كذلك أشار التقرير إلى فجوات التقييم الواقعي لأدوات كثيرة تُعتمد قبل أن تُختبر بما يكفي في بيئات سريرية متنوّعة، ما يفاقم عدم اليقين القانوني والأخلاقي.
وعود الدقة وحدودها: ماذا تقول البيانات؟
صدى الإنجازات التجريبية حاضر بقوة، لكن الصورة في المجمل أدقّ وأكثر تدرجاً. تحليلٌ منهجي-تلوي نُشر في npj Digital Medicine عام 2025 شمل 83 دراسة لمهام تشخيصية مع نماذج مولّدة، وخلص إلى دقة إجمالية بنحو 52%، دون تفوق معنوي على الأطباء عموماً أو على غير الخبراء، مع تفوق واضح للخبراء البشريين في المتوسط. الرسالة هنا ليست الإحباط، بل الواقعية: الذكاء الاصطناعي يبرع في سيناريوهات بعينها، ويُحسّن أداء فرق غير متخصصة، لكنه ما زال أبعد من أن يحل محلّ الخبرة المتراكمة للأطباء في الحالات المعقدة.
ولفهم أين يتموضع الذكاء الاصطناعي فعلياً، تستعرض دراسة أخرى في npj Digital Medicine تصنيفاً عبر 1,016 تفويضاً من هيئة الغذاء والدواء الأمريكية لأجهزة طبية مدعومة بالذكاء الاصطناعي حتى نهاية 2024: يغلب عليها تحليل الصور الكمية وتطبيقات “الفرز والتنبيه”، فيما لا تظهر نماذج لغوية عامة ضمن الأجهزة المفوَّضة حتى الآن.
هذه الخريطة تُبرز أن الاستخدام السائد ما زال متمحوراً حول مهام مساعدة واضحة لا اتخاذ قرار مستقل.
وجدير بالذكر أن تعليقاً علمياً في Nature Medicine حذّر عام 2024 من أن التفويض التنظيمي لا يعني بالضرورة تحقق الفعالية السريرية؛ فجزء معتبر من الأدوات يفتقر إلى تحققٍ صارم في بيانات واقعية، ما يفرض معاييرَ أدقّ للتقييم قبل التوسّع في الاعتماد. الرسالة تتناغم مع القلق الذي أثارته الغارديان حول الفجوة بين التبنّي والتقييم.
تشريعات تتشكل: أوروبا مثالاً
على مستوى الحوكمة، دخل قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي حيّز النفاذ في 1 أغسطس 2024، واضعاً أنظمة الذكاء الاصطناعي المخصصة للأغراض الطبية ضمن فئة “عالية المخاطر” بما يستدعي إدارة مخاطر، وبيانات عالية الجودة، ومعلومات مستخدم واضحة، وإشرافاً بشرياً.
وإلى جانبه، يُحدِّث الاتحاد الأوروبي توجيه مسؤولية المنتجات ليُعامل البرمجيات – بما فيها أنظمة الذكاء الاصطناعي – كمنتجٍ يخضع لمسؤولية بدون خطأ، ما يمنح المتضررين مسارات تعويض أوضح ويشجّع المصنعين على تصميمٍ آمن وقابل للتتبع حتى مع الأنظمة القادرة على “التعلّم المستمر”. هذه البنية التنظيمية لا تقمع الابتكار، لكنها تشترط له محيطاً يحمي المرضى ويقلّص ضبابية اللوم.
إلى أين يمضي السؤال؟
الذكاء الاصطناعي لن “يلتهم” الطب كما تلتهم النار الهشيم؛ الصورة الأدق أنه يُعيد تركيب سلسلة القيمة الطبية، من الفرز الأولي وتلخيص السجلات إلى دعم القرار في اختصاصات بصرية الطابع. سيظل الطبيب في القلب، لكن أدواته ستتوسع لتشمل أنظمة تعلمت من ملايين الأنماط.
الشرط الحاسم أن تُبنى جسور الثقة عبر ثلاثية واضحة: تقييمٌ سريري خارجي ومتحرّر من التحيز، حوكمة شفافة للبيانات والنماذج، ومسارات مسؤولية محدّدة يتقاطع فيها دور المستخدم والمطوّر والمؤسسة دون مناطق رمادية. حينها فقط سيتحوّل الذكاء الاصطناعي من مصدر قلق قانوني إلى حليفٍ موثوق في تحسين جودة الرعاية وعدالتها وكلفتها.
اقرأ أيضاً: أفضل جامعات بريطانيا في الطب 2025