في ظل تصاعد التحديات التي تواجه النظام الصحي البريطاني، كشفت بيانات جديدة غير مسبوقة عن أزمة غير مرئية تهدد الملايين من المرضى في إنجلترا. فبحسب ما كشفه تحقيق خاص لصحيفة «الغارديان» البريطانية، فإن ما يقارب ثلاثة ملايين شخص ممن أُدرجوا على قوائم انتظار هيئة الخدمات الصحية الوطنية (NHS England) لم يتلقوا أي نوع من الرعاية منذ إحالتهم من طبيب الأسرة، لا زيارة أولى لاختصاصي ولا حتى فحص تشخيصي أولي.
هذه الأرقام الصادمة، التي جمعتها وحللتها مؤسسة “إم بي آي هيلث” (MBI Health) المتخصصة في بيانات الرعاية الصحية، تضع الحكومة البريطانية، بقيادة حزب العمال وزعيمه كير ستارمر (Keir Starmer)، أمام تحدٍّ هائل. ذلك أن هذه الفئة “غير المرئية” من المرضى تمثل نحو 48% من إجمالي الـ 6.23 مليون شخص على قوائم الانتظار، وتُهدد بإفشال التعهد الرئيسي الذي أطلقه ستارمر بعلاج 92% من المرضى خلال 18 أسبوعاً من إحالتهم، بحلول عام 2029.
أزمة الرعاية الصحية في إنجلترا
وفي حديثها حول الأمر، وصفت رئيسة جمعية المرضى البريطانية “رايتشل باور” (Rachel Power) الوضع بأنه “أزمة انتظار غير مرئية”، وأعربت عن صدمتها من حجم المعاناة. وقالت: “نحو نصف المرضى لم يقابلوا طبيباً منذ إحالتهم. هذا ليس نظام رعاية صحية، بل انهيار كامل”. وتابعت: “هؤلاء ليسوا أرقاماً. إنهم أشخاص يتفقدون هواتفهم يومياً بانتظار مكالمة لا تأتي، يعجزون عن التخطيط لحياتهم بينما تتفاقم أعراضهم الصحية”.
ويبدو أن ما يزيد من خطورة الوضع هو أن ثلث هؤلاء المرضى، أي نحو مليون شخص، قد تجاوزوا بالفعل الحد الأقصى المفترض للانتظار وهو 18 أسبوعاً، دون تلقي أي رعاية تذكر. الأمر الذي يدفع محللين وخبراء في المجال الصحي للتحذير من انهيار حقيقي في قدرة النظام الصحي على تلبية الاحتياجات الأساسية للمرضى.
تراكم لا تراجع
من جانبه، قال بارِي مولولاند (Barry Mulholland)، مؤسس MBI Health ومدير سابق في NHS، إن الحديث عن قوائم الانتظار بوصفها “تراكماً خلفياً” (Backlog) لم يعد دقيقاً، بل هي أشبه بـ”تراكم أمامي” (Frontlog)، لأن عدداً كبيراً من المرضى لم يحصل حتى على اللقاء الطبي الأول. وأضاف: “لن نتمكن من بلوغ هدف المعالجة خلال 18 أسبوعاً إذا لم نبدأ بالتعامل مع هذه الفئة من المرضى”.
ويرى مولولاند أن التركيز على عدد من ينتظرون العلاج منذ أكثر من 12 أو 18 شهراً يُغفل الفئة التي لم تبدأ رحلتها العلاجية أصلاً، رغم إحالتهم رسمياً. وقال: “لن نتمكن من تقليص قوائم الانتظار ما لم نُصلح النقطة التي يدخل فيها المريض إلى النظام، أي حيث تبدأ فترات التأخير”.
صمت حكومي ورسائل متضاربة
لم تعلّق وزارة الصحة والرعاية الاجتماعية البريطانية (Department of Health and Social Care) مباشرة على مسألة الـ 3 ملايين مريض غير المرئيين، واكتفت بالقول إن الحكومة نجحت في تقليص عدد المنتظرين بأكثر من 260 ألفاً منذ يوليو 2024، كما انخفضت القوائم في أبريل ومايو الماضيين لأول مرة منذ 17 عاماً، باستثناء فترة الجائحة.
ومن جهته، أضاف متحدث باسم الوزارة: “بفضل الاستثمار القياسي والإصلاحات التي قدمتها الحكومة وجهود العاملين في NHS، قدمنا 4.6 مليون موعد علاجي، وهو أكثر من ضعف الرقم الذي وعدنا به وهو مليوني موعد”. وأكد أن خطة الإصلاح الصحي الممتدة لعشر سنوات ستواصل هذا التقدم من أجل تحقيق الهدف الرئيسي بحلول مارس 2029.
لكن أليسون بينيت (Alison Bennett)، المتحدثة باسم الصحة في حزب الديمقراطيين الليبراليين، رأت أن هذه التصريحات لا تُخفي حجم المأساة. وقالت: “كل رقم من هذه الأرقام يُخفي وراءه شخصاً يتألم، ويعيش حالة من القلق بانتظار الرعاية”. واتهمت حزب المحافظين بإساءة إدارة NHS لسنوات، معتبرة أن حلّ المشكلة لن يكون ممكناً دون إصلاح جذري في منظومة الرعاية الاجتماعية، التي تعيق بدورها تدفق المرضى من وإلى المستشفيات.
تخصصات مهددة بالعجز الكامل
في السياق، أظهر تحليل MBI Health أن التخصصات الأكثر تضرراً بظاهرة المرضى غير المرئيين تشمل: الأذن والأنف والحنجرة، وجراحة العظام، وطب العيون، والجهاز الهضمي، وأمراض النساء. وأشار مولولاند إلى أن ما بين 67% و75% من قوائم الانتظار في هذه التخصصات تتكوّن من مرضى لم يحصلوا على موعد أولي حتى الآن.
وبحسب الهيئة الصحية، فإن من بين 7.3 مليون علاج بانتظار التنفيذ، هناك 4.7 مليون تتعلق بمرضى لم يتلقوا حتى الآن استشارة أولية أو فحصاً تشخيصياً، وهو ما يمثل قرابة ثلثي الحالات. وذكرت الهيئة أن 1.6 مليون من هؤلاء قد تجاوزوا بالفعل عتبة الـ 18 أسبوعاً.
المعركة السياسية المقبلة؟
لا يبدو أن التحديات التي تواجه النظام الصحي البريطاني ستتوقف عند الجانب الإداري أو الفني، بل من المرجح أن تتحول إلى محور رئيسي في المعركة السياسية المقبلة، خصوصاً أن الرعاية الصحية كانت دائماً في صميم الحملات الانتخابية البريطانية.
وكير ستارمر، الذي يضع صحة المواطن في قلب تعهداته، يواجه اليوم امتحاناً حقيقياً أمام ملايين البريطانيين الذين لا يزالون عالقين في فراغ النظام، يبحثون عن بداية لمسارهم العلاجي، بينما تتسابق الأرقام ووعود الإصلاح على الورق.
اقرأ أيضاً: الذكاء الاصطناعي يدخل مجال الرعاية الصحية الوقائية عبر نموذج مُطور