تظهر دراسة حديثة صادرة عن منظمة Best for Britain أن النقاش حول علاقة بريطانيا بالاتحاد الأوروبي لم يعد مجرد إرث سياسي من حقبة Brexit، بل تحول إلى ملف حي يعاد فتحه داخل الرأي العام البريطاني. فوفق استطلاع أجرته مؤسسة YouGov، يؤيد 53% من البريطانيين فكرة إعادة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، مقابل 32% يعارضون ذلك، في حين يحظى خيار “إعادة ضبط العلاقات” الذي تتبناه الحكومة بدعم 61% من المشاركين. هذه الأرقام لا تعكس مجرد تفضيلات انتخابية، بل تشير إلى تحول تدريجي في المزاج العام، حيث لم تعد القطيعة مع أوروبا تنظر إليها كخيار نهائي، بل كمرحلة قابلة لإعادة التقييم.
بريطانيا والاتحاد الأوروبي سياسياً واقتصادياً
في العمق السياسي لهذا التحول، تبرز ملاحظة لافتة تتمثل في ضعف الإقبال على الحلول الوسط مثل الاتحاد الجمركي أو السوق الموحدة. هذا ما أكدته Naomi Smith، الرئيسة التنفيذية لمنظمة Best for Britain، حين أشارت إلى أن الناخبين لا يظهرون حماساً كبيراً لخيارات “بين بين”، بل يميلون إما إلى العودة الكاملة أو البقاء ضمن المسار الحالي. هذا الموقف يعكس حالة استقطاب واضحة، حيث يبدو أن البريطانيين لا يبحثون عن تسويات تقنية بقدر ما يبحثون عن إجابات حاسمة لهوية العلاقة مع أوروبا، سواء كانت اندماجاً كاملاً أو استقلالاً اقتصادياً وسياسياً.
أما من زاوية التحليل الاقتصادي والسياسي، فيرى Tom Brufatto، المدير التنفيذي للسياسات في المنظمة ذاتها، أن إعادة النظر في خيار الانضمام ليست مجرد نقاش ظرفي، بل مسار يمكن أن يحمل استقراراً طويل الأمد. فبحسب رؤيته، فإن العودة إلى الاتحاد الأوروبي قد توفر ليس فقط نمواً اقتصادياً أكبر، بل أيضاً قاعدة دعم سياسي أوسع داخل التيارات التقدمية في المملكة المتحدة. هذا الطرح يضع الملف الأوروبي في إطار أوسع من الاقتصاد، ليصبح جزءاً من معادلة النفوذ السياسي البريطاني في عالم تتزايد فيه التحديات الدولية والتقلبات الجيوسياسية.
اقرأ أيضاً: بعد البريكست..هل ترغب أوروبا بانضمام بريطانيا إليها؟
انقسام الرأي العام البريطاني بين العودة والرفض
تظهر البيانات أن الدعم لإعادة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ليس متساوياً عبر الطيف السياسي البريطاني، بل يعكس انقساماً عميقاً بين الأحزاب والتيارات. فبينما يصل التأييد إلى 83% بين ناخبي Labour Party، و84% لدى Liberal Democrats، و82% لدى Green Party، يتراجع بشكل حاد لدى اليمين السياسي، حيث لا يتجاوز 39% بين مؤيدي Conservative Party و18% فقط لدى مؤيدي Reform UK. هذا التفاوت يكشف أن المسألة لم تعد اقتصادية فقط، بل أصبحت جزءاً من الهوية السياسية والانتماء الحزبي.
في ظل هذا الانقسام، تتصاعد الأصوات السياسية الداعية لإعادة النظر في علاقة بريطانيا بأوروبا. فقد حذر Neil Kinnock، نائب رئيس المفوضية الأوروبية والرئيس السابق لحزب العمال، من أن البيئة الدولية الحالية، خاصة في ظل سياسات Donald Trump، تجعل من تعزيز العلاقات الأوروبية خياراً استراتيجياً ضرورياً. ويشير كينوك إلى أن التوترات العالمية والتقلبات الاقتصادية، بما فيها آثار الحروب والتضخم، تجعل من “العلاقة الخاصة” مع أوروبا أكثر أهمية من أي وقت مضى، باعتبارها وسيلة لضمان النفوذ والاستقرار في مواجهة عالم غير مستقر.
الحكومة البريطانية بين “إعادة الضبط” وضغط الواقع
على المستوى الرسمي، تعهد رئيس الوزراء Keir Starmer بإعادة بناء العلاقات مع الاتحاد الأوروبي بعد سنوات من التوتر الذي أعقب خروج بريطانيا.
ويأتي هذا التوجه في إطار سياسة “إعادة الضبط” التي تهدف إلى تحسين التعاون الاقتصادي والسياسي مع بروكسل. وفي الأسبوع الماضي، أشار ستارمر إلى أن الأزمات الدولية، بما فيها التوترات المرتبطة بسياسات Donald Trump تجاه إيران، أظهرت الحاجة إلى علاقات اقتصادية أوثق مع أوروبا. ويرى أن التكلفة الاقتصادية لـBrexit لم تعد مسألة نظرية، بل أصبحت عاملاً ملموساً يؤثر على النمو.