بعد عشر سنوات على بريكست: هل بدأت بريطانيا التفكير جدياً بالعودة إلى أوروبا؟
تابعونا على:

سياسة

بعد عشر سنوات على بريكست: هل بدأت بريطانيا التفكير جدياً بالعودة إلى أوروبا؟

نشر

في

807 مشاهدة

بعد عشر سنوات على بريكست: هل بدأت بريطانيا التفكير جدياً بالعودة إلى أوروبا؟

لم يعد النقاش المتعلق بعلاقة بريطانيا مع الاتحاد الأوروبي يدور حول تقييم قرار الخروج بحد ذاته، بقدر ما أصبح يدور حول ما أنتجه ذلك القرار من وقائع جديدة، وحول الاتجاه الذي يمكن أن تسلكه البلاد في السنوات المقبلة. فعقد كامل مرّ منذ استفتاء عام 2016، وخلال هذه الفترة تبدلت الحكومات والأولويات والأزمات، فيما بقيت العلاقة مع أوروبا حاضرة بوصفها أحد الملفات الأكثر تأثيراً في السياسة البريطانية.

ما يلفت الانتباه اليوم ليس وجود أصوات تدعو إلى إعادة النظر في مسار بريكست، بل انتقال هذا النقاش من هامش الحياة السياسية إلى دوائر أوسع تشمل شخصيات حكومية وحزبية ومراكز بحثية وقطاعات متزايدة من الرأي العام. ومع أن الحديث عن العودة إلى الاتحاد الأوروبي ما يزال بعيداً عن كونه مشروعاً سياسياً جاهزاً للتنفيذ، فإن المؤشرات المتراكمة توحي بأن المسألة لم تعد محصورة في إطار افتراضي أو نظري كما كانت خلال السنوات الأولى بعد الخروج.

التحول في المزاج البريطاني بعد بريكست

أحد أبرز المتغيرات خلال السنوات الأخيرة يتمثل في تبدل المزاج الشعبي تجاه العلاقة مع أوروبا. فاستطلاعات الرأي التي نُشرت مع اقتراب الذكرى العاشرة للاستفتاء أظهرت أن نسبة المؤيدين لإعادة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي باتت تتجاوز نصف الناخبين، بينما تراجعت نسبة الرافضين مقارنة بما كانت عليه في السنوات الأولى التي تلت الخروج. ويبدو أن هذا التحول يرتبط إلى حد كبير بتقييم شريحة متزايدة من البريطانيين للنتائج الاقتصادية التي أعقبت بريكست، أكثر مما يرتبط بإعادة إحياء الجدل الأيديولوجي القديم بين مؤيدي التكامل الأوروبي وأنصار السيادة الوطنية.

لكن هذا التحول لا يعني بالضرورة وجود أغلبية واضحة تطالب بالعودة الفورية إلى الاتحاد. فجزء مهم من البريطانيين يفضل توسيع التعاون الاقتصادي والسياسي مع أوروبا من دون الذهاب مباشرة إلى خيار إعادة العضوية الكاملة. وهذا التوجه يعكس إدراكاً بأن العودة ليست مجرد قرار سياسي، بل عملية معقدة تتطلب توافقات داخلية وخارجية واسعة، وقد تفرض على بريطانيا التزامات تختلف عن تلك التي كانت تتمتع بها قبل الانسحاب.

الحذر يطغى على مواقف الأحزاب الكبرى

رغم التغير النسبي في الرأي العام، لا تزال النخبة السياسية البريطانية تتعامل بحذر مع هذا الملف. فالحكومة العمالية الحالية تواصل التمسك بالموقف الرسمي الذي يستبعد العودة إلى الاتحاد الأوروبي أو إلى السوق الأوروبية الموحدة خلال المرحلة الراهنة، إدراكاً منها لحساسية القضية انتخابياً ولوجود قطاعات واسعة ما تزال تعتبر أن قرار الخروج يجب أن يُحترم.

في المقابل، بدأت تظهر داخل حزب العمال مواقف أكثر صراحة في نقد تجربة بريكست. فقد وصف عدد من الشخصيات البارزة الخروج بأنه خطأ استراتيجي أو كارثة اقتصادية، فيما تحدث آخرون عن إمكانية العودة إلى الاتحاد الأوروبي على المدى الطويل. إلا أن هذه المواقف بقيت حتى الآن ضمن إطار الرؤى الشخصية أكثر من كونها سياسة رسمية للحزب.

وتعكس هذه الحالة معادلة دقيقة تواجهها الأحزاب الكبرى. فمن جهة، هناك مؤشرات متزايدة على تغير المزاج الشعبي، ومن جهة أخرى ما تزال قوى سياسية مؤثرة، وفي مقدمتها المحافظون وحزب “إصلاح المملكة المتحدة”، ترفض أي نقاش يتعلق بإعادة الانضمام وتعتبره تراجعاً عن نتيجة الاستفتاء. ولهذا يظل الخطاب السياسي السائد أقرب إلى الحديث عن تحسين العلاقة مع أوروبا بدلاً من العودة المباشرة إلى مؤسسات الاتحاد.

أوروبا لا تغلق الباب لكنها تغيّر الشروط

على الجانب الأوروبي، لا تبدو العواصم الرئيسية معارضة لفكرة عودة بريطانيا من حيث المبدأ. بل إن كثيراً من المسؤولين والدبلوماسيين الأوروبيين يرون أن وجود المملكة المتحدة داخل الاتحاد من جديد سيكون مكسباً سياسياً واقتصادياً وأمنياً للطرفين.

غير أن هذا الترحيب المحتمل لا يعني استعداد الاتحاد لإعادة إنتاج العلاقة السابقة. فالمواقف التي صدرت عن مسؤولين وخبراء شاركوا في مفاوضات بريكست تشير بوضوح إلى أن أي طلب بريطاني مستقبلي للانضمام سيُعامل وفق القواعد المعمول بها مع جميع الدول المرشحة. وهذا يعني أن الاستثناءات التي تمتعت بها لندن سابقاً قد لا تكون مطروحة مرة أخرى.

من هذه الزاوية، لا يتمثل التحدي الأساسي في قبول أوروبا بعودة بريطانيا، بل في مدى استعداد النخب البريطانية والناخبين البريطانيين لقبول شروط العضوية الجديدة إذا طُرحت مستقبلاً. فالمعادلة التي سادت قبل عام 2016 لم تعد قائمة، والاتحاد الأوروبي نفسه تغيّر خلال العقد الماضي، كما أن أولوياته الاستراتيجية أصبحت مختلفة عما كانت عليه سابقاً.

الاقتصاد يعيد فتح النقاش

الجانب الاقتصادي يبقى العامل الأكثر حضوراً في الجدل الدائر اليوم. فخلال السنوات الماضية صدرت تقديرات عديدة تشير إلى أن الخروج من الاتحاد الأوروبي ترك أثراً سلبياً على التجارة والاستثمار والنمو الاقتصادي البريطاني. كما تراجعت أعداد من الشركات الصغيرة والمتوسطة العاملة في الأسواق الأوروبية نتيجة التعقيدات التنظيمية والجمركية الجديدة.

ومع أن هذه التقديرات لا تحظى بإجماع كامل، فإنها أسهمت في إعادة طرح سؤال العلاقة مع أوروبا من منظور اقتصادي أكثر منه أيديولوجياً. فالعديد من الأصوات المؤيدة لتقارب أكبر مع الاتحاد الأوروبي تنطلق من اعتبارات تتعلق بالنمو والاستثمار والإنتاجية، وليس من فكرة الاندماج السياسي بحد ذاتها.

في المقابل، يحذر معارضو العودة من المبالغة في ربط المشكلات الاقتصادية البريطانية ببريكست وحده. فبحسب هذا الرأي، تواجه المملكة المتحدة تحديات هيكلية تتعلق بالإنتاجية والاستثمار والخدمات العامة، وهي مشكلات لا يمكن حلها تلقائياً بمجرد استعادة العضوية الأوروبية. ولذلك يستمر الخلاف حول حجم التأثير الحقيقي للخروج وحول ما إذا كانت العودة قادرة فعلاً على تغيير المسار الاقتصادي للبلاد بصورة جوهرية.

بين تبدل المزاج وصعوبة القرار

ما تكشفه التطورات الحالية هو أن بريطانيا دخلت مرحلة جديدة من النقاش حول إرث بريكست. فبعد سنوات طغى فيها الجدل حول كيفية تنفيذ الخروج، بدأ التركيز ينتقل تدريجياً إلى تقييم نتائجه وإعادة التفكير بمكانة البلاد داخل الفضاء الأوروبي الأوسع.

لكن الانتقال من مراجعة التجربة إلى تغيير المسار يبقى مسألة مختلفة تماماً. فإعادة الانضمام، إن طُرحت يوماً بشكل جدي، ستحتاج إلى توافق سياسي واسع، وإلى قبول شعبي واضح، وإلى مفاوضات طويلة مع الاتحاد الأوروبي. وحتى الآن لا يبدو أن أياً من هذه الشروط قد نضج بالكامل.

لهذا السبب، فإن السؤال المطروح اليوم ليس ما إذا كانت بريطانيا ستعود قريباً إلى الاتحاد الأوروبي، بل ما إذا كانت السنوات المقبلة ستشهد استمرار التحول التدريجي في الرأي العام والنخب السياسية إلى درجة تجعل العودة خياراً عملياً بعد أن كانت مجرد فكرة مطروحة للنقاش. وبعد عشر سنوات على بريكست، يبدو أن هذا الاحتمال لم يعد مستبعداً كما كان في السابق، لكنه ما يزال بعيداً عن أن يصبح سياسة جاهزة للتنفيذ.

اقرأ أيضاً: هل التقارب البريطاني مع الاتحاد الأوروبي إنقاذ سياسي أم عودة خفية للبريكست؟

2000 رحلة تختفي من الجداول.. عطل واحد يشل سماء بريطانيا
سياسة3 ساعات منذ

2000 رحلة تختفي من الجداول.. عطل واحد يشل سماء بريطانيا

ما علاقة الذكاء الاصطناعي بالديلفري في بريطانيا؟
علوم وتكنولوجيا4 ساعات منذ

ما علاقة الذكاء الاصطناعي بالديلفري في بريطانيا؟

داسيا تدخل السوق الأوروبية بسيارة سبرينغ الكهربائية وبسعر مفاجئ!
مال وأعماليوم واحد منذ

داسيا تدخل السوق الأوروبية بسيارة سبرينغ الكهربائية وبسعر مفاجئ!

قنصلية تُغلق بسبب بضائع.. العلاقات البريطانية الإسرائيلية تدخل مستوى جديداً من التصعيد
سياسةيوم واحد منذ

قنصلية تُغلق بسبب بضائع.. العلاقات البريطانية الإسرائيلية تدخل مستوى جديداً من التصعيد

هاري كين وهالاند وميسي في سباق الكرة الذهبية 2026
رياضةيوم واحد منذ

هاري كين وهالاند وميسي في سباق الكرة الذهبية 2026

اقتطاع ديون الإعانات من الحسابات وحظر القيادة يبدأ في أكتوبر 2026
مال وأعماليومين منذ

اقتطاع ديون الإعانات من الحسابات وحظر القيادة يبدأ في أكتوبر 2026

أرسنال يبدأ رحلة الدفاع عن اللقب بأفضل صورة
رياضةيومين منذ

أرسنال يبدأ رحلة الدفاع عن اللقب بأفضل صورة

الفراولة والطماطم المعدلة جينياً تقترب من المتاجر البريطانية.. ما تأثيراتها؟
أخبار لندن3 أيام منذ

الفراولة والطماطم المعدلة جينياً تقترب من المتاجر البريطانية.. ما تأثيراتها؟

بريطانيا تغيّر طريقة حساب جدوى المشاريع.. تعديل تقني قد يفتح مليارات للبنية التحتية
مال وأعمال3 أيام منذ

بريطانيا تغيّر طريقة حساب جدوى المشاريع.. تعديل تقني قد يفتح مليارات للبنية التحتية

مليون شاب خارج الدراسة والعمل.. ماذا عن الجيل العالق بين المدرسة والسوق؟
سياسة3 أيام منذ

مليون شاب خارج الدراسة والعمل.. ماذا عن الجيل العالق بين المدرسة والسوق؟
















X