تخيل أن تعمل أربعة أيام فقط في الأسبوع، وتحظى بثلاثة أيام متواصلة من الراحة والاسترخاء! هذه الفكرة تبدو مغرية للعاملين، لكنها تثير مخاوف لدى أصحاب الشركات الذين يعتقدون أن الإنتاجية قد تتراجع ويُصاب العمل بالضرر، لكن الواقع يخالف هذا التصور، كما تثبته تجربة وطنية رائدة نُفّذت في المملكة المتحدة.
تجربة رائدة في المملكة المتحدة: نتائج مذهلة
أنهت المملكة المتحدة تجربة وطنية لاستكشاف نظام العمل لأربعة أيام أسبوعياً، محققة نجاحاً باهراً بنسبة 100%، ما دفع جميع الشركات المشاركة إلى تبني هذا النظام بشكل دائم.
بدأت التجربة بمشاركة 17 شركة من قطاعات مختلفة، تحت إشراف مؤسسة “أسبوع العمل من أربعة أيام”، وشارك فيها نحو 1000 موظف، احتفظوا جميعاً برواتبهم الكاملة، وبعد انتهاء التجربة، قررت جميع الشركات الاستمرار في تطبيق النظام الجديد، لتلتحق بـ 5000 موظف كانوا قد اعتمدوه سابقاً بشكل دائم.
شملت الشركات المشاركة مؤسسات خيرية وشركات خدمات مهنية، وتراوحت أعداد موظفيها بين 5 و400 موظف، من بينها الجمعية البريطانية لعلم المناعة، ومصنع “كريت” للجعة في هاكني، شرق لندن.
أعلنت الشركات التزامها الكامل بالاستمرار في نظام العمل المختصر بعد انتهاء المرحلة التجريبية، ليستفيد نحو 1000 عامل بريطاني من هذا التغيير، وأكدت 17 شركة بريطانية مشاركتها في تجربة استمرت ستة أشهر، بأنها ستواصل العمل إما وفق نظام أربعة أيام أسبوعياً، أو تسعة أيام عمل كل أسبوعين، مع الحفاظ على الرواتب كاملة.
وأشار التقرير الصادر عن التجربة إلى أن مستوى الخدمات ومؤشرات الأداء الرئيسية لم يتأثر سلباً خلال فترة التجربة، بل أثبتت النتائج أن الإنتاجية لم تنخفض رغم تقليص أيام العمل.
اقرأ أيضاً: أيسلندا تحقق نجاحاً باهراً لتجربة العمل أربعة أيام أسبوعياً.. هل يمكن تطبيق التجربة في الدول العربية؟
فوائد صحية ونفسية للعاملين
أظهرت التجربة تأثيرات إيجابية ملحوظة على صحة الموظفين النفسية والجسدية، إذ أبلغ 62% من المشاركين عن انخفاض الشعور بالإرهاق، فيما أفاد 40% بتحسن في صحتهم النفسية، كما أشار نحو نصف الموظفين إلى زيادة شعورهم بالرضا العام عن حياتهم.
وصرّح “جو رايل Joe Rayle”، مدير حملة مؤسسة “أسبوع العمل من أربعة أيام“، قائلاً: “بفضل المعرفة والخبرة المتراكمة في تنفيذ هذا النظام بنجاح، نشعر بسعادة غامرة إزاء هذه النتائج المذهلة.”، وأضاف: “الناس أصبحوا أكثر سعادة، والشركات تحقق ازدهاراً، ولا مجال للعودة إلى الوراء، لقد أثبتنا مراراً أن نظام العمل لأربعة أيام مجدٍ، وحان الوقت لتوسيعه ليشمل جميع قطاعات الاقتصاد.”
من جهته، أشاد “ألان برانت Alan Brandt”، الرئيس التنفيذي لشركة Bron Afon للإسكان المجتمعي، والتي تضم 420 موظفاً، قائلاً: “منذ بداية الحديث عن النظام، بادرت فرقنا للعمل بجد من أجل إنجاحه، وكانت النتائج مبهرة”، وأكد أن الأداء ورضا العملاء يخضعان للمتابعة الدقيقة، مع نتائج مرضية حتى الآن، مضيفاً: “أتوقع أن تعتمد معظم المؤسسات هذا النظام خلال السنوات العشر القادمة.”
أثبتت التجربة أن تقليص عدد أيام العمل لا يقلل الإنتاجية، بل يُحسّن الأداء ويُعزّز رفاهية الموظفين ورضاهم العام، ما يمهّد الطريق نحو نموذج عمل أكثر توازناً واستدامة.
صرّحت “فيكي ووكر Vicky Walker”، كبيرة مسؤولي الموارد البشرية في شركة Westfield Health، لصحيفة الإندبندنت: “ثبت أن العمل لساعات أقل يعني إنتاجية أكبر، هناك اعتراف متزايد بأهمية المرونة والتوازن بين الحياة والعمل، وهذه التجربة خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح.”، وأشارت إلى أن مثل هذه المزايا يمكن أن تساعد في جذب المواهب الجديدة وتحسين معدلات الاحتفاظ بالموظفين، وهو ما يمثل هدفاً استراتيجياً للعديد من الشركات.
يأتي هذا الإنجاز بعد تجربة أوسع أُجريت عام 2022، شارك فيها نحو 3000 موظف، وانتهت باعتماد 56 من أصل 61 شركة لنظام العمل المختصر بشكل دائم.
اقرأ أيضاً: شركة بريطانية تطبق فكرة “أربعة أيام عمل” دون خفض الرواتب
مخاوف وتحديات في بعض المجالات
رغم النجاح الملحوظ، واجه مفهوم أسبوع العمل المكون من أربعة أيام معارضة من الحكومة المحافظة السابقة، ورغم الدعم الأكبر الذي أبداه وزراء حزب العمال، إلا أنهم لم يقدموا حتى الآن خطوات رسمية لتطبيقه منذ توليهم السلطة عام 2024.
قال “توماس بوغ Thomas Pugh”، كبير الاقتصاديين في RSM UK، لصحيفة الإندبندنت: “ما يهم الاقتصاد هو مجموع ساعات العمل مضروباً بالإنتاجية لكل ساعة، إذا عمل الناس نفس عدد الساعات الأسبوعية موزعة على أربعة أيام بدلاً من خمسة، فلن يكون هناك تأثير اقتصادي ملحوظ، لكن إذا تمكّنوا من إنجاز نفس العمل في وقت أقل، فقد نشهد ارتفاعاً في الإنتاجية، إلا أن هذا لا يعني بالضرورة حدوث نمو اقتصادي”، وأضاف أن هذا النظام يشبه إلى حد كبير النموذج الفرنسي، لكنه يفتح باب التساؤل أمام الشركات بأنه إذا كان بالإمكان تحقيق الإنتاجية ذاتها في أربعة أيام، فلماذا لا تكون على مدى خمسة أيام؟”
أما “أندرو تيمبسون Andrew Timpson”، الشريك الضريبي في RSM، فأشار إلى أن تقليل عدد ساعات العمل قد يؤدي إلى انخفاض الأجور، مما قد يؤثر على الضرائب والمعاشات، ويُقلل من إيرادات الخزانة العامة. وأضاف: “إذا انخفضت الأجور، قد يجد بعض الموظفين أنفسهم دون العتبة التي تؤهلهم لبعض الإعفاءات أو المزايا، مثل إعانة الطفل.”
أظهرت دراسة حديثة أجرتها BHN Extras أن 34% من العاملين في المملكة المتحدة يفضّلون تقليل الرواتب مقابل تقليص أوقات التنقل، فيما قال 23% فقط إنهم يستمتعون بتجربة التنقل إلى أماكن عملهم والخروج من المنزل.
نظام الأربعة أيام عمل حول العالم
رغم عدم تبني أي دولة لأسبوع عمل من أربعة أيام بشكل كامل حتى الآن، إلا أن العديد من الدول بدأت بتجارب مماثلة أو لديها بالفعل متوسط أسبوع عمل قصير، ففي أستراليا، شاركت 26 شركة في تجربة نظام الأربعة أيام.
أما النمسا، فتعتمد أسبوع عمل بمعدل 36 ساعة، وتُعد من بين الدول ذات أقصر أسابيع العمل، بمتوسط 35.5 ساعة أسبوعياً، وفقاً لتقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وفي الدنمارك، يبلغ متوسط أسبوع العمل 33 ساعة فقط.
كما أصبح من حق العاملين في بلجيكا اختيار نظام عمل لأربعة أيام، غالباً بمعدل 10 ساعات يومياً، وفي فرنسا، أُطلقت تجربة وطنية لأول مرة عام 2024، تستهدف تطوير الأسبوع القانوني البالغ 35 ساعة.
أما البرازيل، فقد بدأت في سبتمبر 2023 تجربة استمرت لتسعة أشهر، وفي كندا، تقوم العديد من الشركات بتجربة النظام ذاته، وكذلك ألمانيا حيث انضمت 45 شركة إلى البرنامج التجريبي.
تاريخياً، بدأت حملات النقابات العمالية في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين بالمطالبة بعطلة نهاية أسبوع من يومين، بدلاً من الأسبوع المكون من ستة أيام، الذي كان سائداً في بريطانيا والدول المسيحية آنذاك.
ختاماً، مع نجاح تجربة العمل لأربعة أيام في المملكة المتحدة، قد نشهد تحول عدد متزايد من الشركات البريطانية إلى هذا النظام، ومع ذلك، من غير المتوقع أن تفرض الحكومة البريطانية تطبيقه في جميع الوظائف قريباً، خاصة في القطاعات التي لا تحتمل فترات راحة طويلة، ومع استمرار التجارب عالمياً، يبدو أن مستقبل العمل يسير نحو مزيد من التوازن بين الإنتاجية والرفاهية.
اقرأ أيضاً: سوق العمل البريطاني 2025 .. المهن المطلوبة والجالية العربية