في وقت أصبحت فيه الهواتف الذكية جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية، يتجه البريطانيون في الاتجاه المعاكس. فبدلاً من البحث عن تطبيق جديد أو منصة أكثر جاذبية، يتزايد الاهتمام بالفعاليات التي تحظر استخدام الهواتف تماماً، سعياً لاستعادة الهدوء والتركيز والتواصل الحقيقي مع الآخرين. لا يعتبر هذا التحول مجرد موضة عابرة، بل هو استجابة متنامية للإرهاق الناجم عن عالم رقمي سريع الخطى، حيث باتت الشاشات تهيمن على العمل والترفيه وحتى العلاقات الاجتماعية.
البريطانيون.. من الإدمان الرقمي إلى البحث عن السكينة
يقضي البالغون في المملكة المتحدة ما يقارب أربع ساعات ونصف يومياً على الإنترنت، معظمها باستخدام هواتفهم الذكية. كما أظهرت استطلاعات رأي حديثة أن البريطانيين يقضون الآن وقتاً أطول على هواتفهم مقارنةً بمشاهدة التلفاز، ما يعد مؤشراً واضحاً على تغير نمط الحياة في السنوات الأخيرة. دفع هذا الواقع الكثيرين إلى إعادة النظر في علاقتهم بالتكنولوجيا، إذ أصبحت متابعة الأخبار ووسائل التواصل الاجتماعي عادة يومية تهدر الوقت والجهد، وتزيد من مستويات التوتر والقلق.
انتشرت في العديد من المدن البريطانية فعاليات تتطلب من المشاركين تسليم هواتفهم عند الوصول ووضعها في صناديق مغلقة حتى نهاية الفعالية. تتنوع هذه الفعاليات بين ورش الرسم والمشي الجماعي والقراءة الصامتة والأشغال اليدوية واللقاءات الاجتماعية، مما يتيح للمشاركين قضاء ساعات بعيداً عن الإشعارات والمكالمات والتنبيهات.
يؤكد منظمو هذه الفعاليات أن معظم المشاركين يشعرون في البداية ببعض القلق من الابتعاد عن هواتفهم، لكن هذا القلق سرعان ما يتحول إلى حالة من الهدوء والتركيز. بل إن الكثيرين يقررون تقليل استخدام هواتفهم بعد انتهاء الفعالية.
اقرأ أيضاً: حظر الهواتف المحمولة في المدارس سيصبح قانوناً
لماذا يأخذ البريطانيون استراحة من نمط حياتهم السريع؟
الأمر لا يقتصر على إغلاق الشاشات، بل هو تغيير في نمط الحياة. يسعى العديد من البريطانيين الآن إلى إبطاء وتيرة حياتهم اليومية، بعد أن فرضت التكنولوجيا وتيرةً متواصلةً من الأخبار والرد على الرسائل ومتابعة المحتوى دون انقطاع. لذا، يعود الاهتمام بالأنشطة البسيطة التي تمنح الناس وقتاً للتأمل، مثل القراءة، والتنزه في الطبيعة، والأعمال اليدوية، وقضاء الوقت مع الأصدقاء بعيداً عن تشتيت الشاشات.
يعتقد الخبراء أن هذه الأنشطة تساعد على استعادة التركيز، وتحسين جودة العلاقات الاجتماعية، وتقليل مستويات التوتر الناتجة عن التواصل المستمر مع العالم الرقمي. ولم تعد هذه المبادرات مقتصرة على النوادي الثقافية. فقد بدأت بعض المقاهي في لندن ومانشستر ومدن أخرى بحظر التصوير أو تغطية كاميرات الهواتف بملصقات لمنع استخدامها في الحفلات.
ويقول أصحاب هذه الأماكن إن الهدف ليس حظر التكنولوجيا بحد ذاتها، بل تشجيع روادها على الاستمتاع بالموسيقى والتجمعات الاجتماعية دون التفكير في توثيق كل لحظة أو نشرها على الإنترنت. كما بدأت بعض الأماكن بفرض غرامات رمزية على من يُضبطون وهم يستخدمون هواتفهم أثناء الفعاليات، بينما تبنت أخرى سياسة “عِش اللحظة أو ستفقدها”.
القراءة والساونا وزيارة المعالم السياحية.. بدائل للحياة الرقمية
انتشرت هذه الظاهرة إلى مناطق أقل شهرة، مع ظهور نوادي قراءة في حمامات الساونا، ومنتجعات تمنع استخدام الهواتف أثناء الإقامة، وحتى بيوت ريفية بدون إنترنت أو حتى تغطية شبكة الهاتف. كما تقدم بعض المنظمات رحلات استجمام لعدة أيام، حيث يُسلّم المشاركون هواتفهم عند الوصول ويقضون وقتاً في المشي لمسافات طويلة، وممارسة اليوغا، والتأمل في أحضان الطبيعة، والمشاركة في أنشطة جماعية. يقول المشاركون إن هذه التجارب تساعدهم على إعادة تقييم علاقتهم بالتكنولوجيا وتمنحهم فرصة لاستعادة التركيز والإبداع.
بعض الناس يخشون ترك شاشات هواتفهم، وقد فسر خبراء الصحة النفسية هذه العلاقة بالإشارة إلى أن المحتوى الرقمي يحفز إفراز الدوبامين في الدماغ، وهو ناقل عصبي مرتبط بمراكز المكافأة ومشاعر المتعة. مع الاستخدام المتكرر، يعتاد الدماغ على هذا النوع من التحفيز، مما يدفع الناس إلى قضاء وقت أطول في التصفح، وعلى العكس، وقت أقل في الاستمتاع بالأنشطة اليومية البسيطة كالقراءة، ومشاهدة غروب الشمس، أو التحدث مع الأصدقاء.
هل يمكن تكرار هذه التجربة في مجتمعات أخرى؟
تعكس التجربة البريطانية تحولاً مجتمعياً يكتسب زخماً متزايداًمع ارتفاع الوعي بالآثار الضارة للإفراط في استخدام الهواتف الذكية، لا سيما بين الشباب. على الرغم من الاختلافات الثقافية، تبدو الفكرة الأساسية قابلة للتطبيق في العديد من المجتمعات، من خلال تخصيص أوقات أو أماكن خالية من الهواتف، وتشجيع الأنشطة التي تعيد التواصل المباشر بين الناس.
بعد سنوات من التحول الرقمي السريع، يبدو أن شريحة من المجتمع البريطاني قد أدركت أن استعادة التوازن لا تتطلب تطبيقاً جديداً، بل تعني ببساطة إطفاء الشاشات لفترة من الوقت، واستعادة الحياة كما كانت قبل أن تصبح الهواتف محور كل شيء.