بنك إنجلترا بين نارين: “تضخم مستورد” من الطاقة أم اقتصاد يحتاج التيسير؟
تابعونا على:

مال وأعمال

بنك إنجلترا بين نارين: “تضخم مستورد” من الطاقة أم اقتصاد يحتاج التيسير؟

نشر

في

686 مشاهدة

بنك إنجلترا بين نارين: “تضخم مستورد” من الطاقة أم اقتصاد يحتاج التيسير؟

تبدو قاعة القرار في بنك إنجلترا، حين تُغلق أبوابها أمام صخب الأسواق، كأنها ميزانٌ دقيق يزن أثر كل خبر يأتي من خارج البلاد على حياة الناس في الداخل، فارتفاع سعر النفط في البحر يمر سريعاً إلى فاتورة الكهرباء والغاز، ثم يطل من نافذة المتجر في أسعار الغذاء والنقل، بينما يضغط تباطؤ النمو وقلق الوظائف في الاتجاه المعاكس طالباً مساحة تنفّس، وبين هذين المسارين تتحرك السياسة النقدية بحذر، وتحاول حماية الاستقرار بثمن معقول، لأنها تعرف أن خطأً صغيراً في التوقيت قد يطيل كلفة المعيشة أو يفاقم ركود الطلب.

تضخم مستورد يختبر السياسة

يتعامل صناع القرار في بريطانيا مع التضخم بوصفه ظاهرة متعددة المصادر، لكن الطاقة تظل أكثرها إرباكاً لأنها لا تُصنع محلياً بالكامل، فحين ترتفع أسعار النفط والغاز عالمياً أو تتعطل الإمدادات، يظهر تضخم مستورد حتى لو كان الطلب المحلي ضعيفاً، ويصبح السؤال كيف يميّز البنك المركزي بين صدمة عابرة وخطر قادر على ترسيخ نفسه في الأجور والتوقعات.

أظهرت بيانات يناير 2026 تراجع تضخم مؤشر أسعار المستهلك إلى 3.0% على أساس سنوي، لكن البنك يراقب في المقابل تضخم الخدمات لأنه يلتقط ما يتشكل داخل الاقتصاد أكثر مما يأتيه من الخارج، كما يراقب مسار الأجور لأن انتقال التضخم من السلع والطاقة إلى الرواتب قد يجعل التضخم مستورداً يتحول إلى تضخم محلي أكثر عناداً.

الطاقة بين صدمة وهدنة

الطاقة في بريطانيا ليست رقماً تجريدياً، فهي تدخل إلى معادلة التضخم عبر سقف الأسعار الذي تحدده الجهة المنظمة، وحين تم التقدير أن السقف للفترة من يناير إلى مارس 2026 يعادل فاتورة سنوية نموذجية بنحو 1758 جنيهاً، ظهر أثر ذلك في مكونات الكهرباء والغاز، ثم أشار بنك إنجلترا في تقريره النقدي إلى توقعات بانخفاض السقف في أبريل إلى 1616 جنيهاً، مدفوعاً بحزمة دعم فواتير الطاقة التي أُقرت في موازنة 2025 وبانخفاض أسعار الغاز بالجملة، وهذا الانخفاض يمنح السياسة النقدية نافذة تقول إن جانباً من التضخم مستورد قد يهدأ من تلقاء نفسه إذا هدأت أسعار الطاقة.

لكن هذه النافذة قد تضيق سريعاً حين تتغير الجغرافيا السياسية، إذ تحدثت تقارير صحافية في مطلع مارس 2026 عن قفزة في أسعار الطاقة على خلفية تصاعد التوترات المرتبطة بإيران، ومع كل ارتفاع جديد تعود فكرة التضخم مستورد إلى الواجهة لأن صدمات الطاقة تتسرب أيضاً إلى تكاليف النقل والإنتاج، وهو ما يضيف طبقة جديدة من عدم اليقين أمام السياسة النقدية.

مؤشرات داخلية تحت الضغط

على الجانب الآخر من المعادلة تقف مؤشرات النشاط، فبيانات الناتج المحلي الإجمالي تشير إلى نمو فصلي محدود عند 0.1% في الربع الأخير من 2025، بينما ظل قطاع الخدمات شبه ساكن، وفي سوق العمل قدّر مكتب الإحصاءات الوطني البطالة عند 5.1% في فترة سبتمبر إلى نوفمبر 2025، وهي مستويات تعطي إشارات على اتساع الطاقة العاطلة مقارنة بسنوات ما بعد الجائحة.

في السياق نفسه تتحدث توقعات رسمية لمكتب مسؤولية الميزانية عن نمو 1.1% في 2026 مع استمرار تيسير التضخم على المدى المتوسط، بينما يتوقع بنك إنجلترا اتساع هامش الركود الاقتصادي وارتفاع البطالة إلى نحو 5.3% بحلول منتصف 2026، وهي قراءة تعني أن تشديد السياسة لفترة أطول قد يترك أثراً مؤلماً على الاستثمار وعلى سوق الإسكان والائتمان الاستهلاكي.

هنا يظهر جوهر المعضلة، فالبنك لا يريد أن يطارد تضخماً مستورداً برفع شديد للفائدة إذا كان مصدره الخارجي قد يتراجع، لكنه أيضاً لا يريد أن يسبق الزمن في التيسير إذا كانت الأسعار المحلية، ولا سيما في الخدمات، ما زالت تحمل أثراً من موجات سابقة عبر الأجور وتوقعات التضخم، لذلك تتجه الأنظار إلى مؤشرات التوظيف والإنفاق وإلى ما يسميه البنك انتقال السياسة النقدية، أي مدى استمرار أسعار الفائدة الحالية في كبح الطلب حتى بعد بدء انخفاض التضخم.

انقسام الأصوات داخل اللجنة

قرار فبراير 2026 كشف جانباً من هذا التوازن، فقد أبقى البنك سعر الفائدة الأساسي عند 3.75%، لكن التصويت جاء منقسماً بين أغلبية صغيرة فضلت الإبقاء وأقلية دعت إلى خفض بمقدار ربع نقطة، ويعكس الانقسام اختلافاً في قراءة المخاطر، ففريق يرى أن مسار التضخم يتحسن وأن تضخم مستورد المرتبط بالطاقة قد يتراجع مع توقعات انخفاض سقف الأسعار، وأن تباطؤ النشاط يستدعي دعماً مبكراً لتفادي صعود أكبر في البطالة، وفريق آخر يذكّر بأن الاقتراب من هدف 2% لا يعني انتهاء المخاطر، وأن صدمة طاقة جديدة قد تعيد التضخم إلى مستويات أعلى، خصوصاً إذا تزامنت مع اضطراب في سلاسل الشحن أو تحولات مفاجئة في أسعار الصرف.

هذا الانقسام لا يعني اضطراباً بقدر ما يكشف طبيعة المرحلة، فبعد سنوات من التضخم المرتفع والتشديد ثم بدء الخفض التدريجي، أصبح البنك مطالباً بإدارة توقعات الجمهور والأسواق معاً، لذلك تميل لغته إلى الحذر، وتربط أي تيسير إضافي بسرعة انحسار الضغوط المتبقية في الأسعار والأجور، وبمدى اتساع الطاقة العاطلة بصورة تضمن ألا ينخفض التضخم دون الهدف لفترة طويلة.

قرار الربيع ومسار الفائدة

الاجتماع التالي للجنة السياسة النقدية في مارس 2026 يأتي وسط إشارات متعاكسة، فمن ناحية يدعم مسار التضخم النزولي في بداية العام وتوقع انخفاض فواتير الطاقة في أبريل فكرة التيسير، ومن ناحية أخرى تبرز مخاطر خارجية قد ترفع أسعار الطاقة مجدداً وتغذي تضخماً مستورداً جديداً، وفي الخلفية تقف سوق عمل أضعف ونمو متواضع.

لذلك تتعامل الأسواق مع قرار الربيع بوصفه اختباراً لمدى استعداد بنك إنجلترا للانتقال من موقف تقييدي إلى تيسير محسوب، مع الإبقاء على خيار التوقف إذا عادت صدمات الطاقة إلى الواجهة.

في السيناريو الذي تنخفض فيه الطاقة كما تتوقع المؤسسات الرسمية وتستمر الخدمات في التباطؤ، قد يبرر ذلك خفضاً تدريجياً يهدف إلى حماية الاقتصاد من ارتفاع البطالة ومن ركود استثماري أطول، أما إذا جاءت صدمة طاقة جديدة وارتفعت توقعات التضخم، فقد يفضّل البنك الانتظار حتى تتضح طبيعة الصدمة وهل هي عابرة أم قابلة للتحول إلى تضخم أكثر ثباتاً، وفي الحالتين يبقى النقاش العام مرتبطاً بمعيار بسيط يفهمه الجمهور، هل تحسنت فواتير المنازل وتكاليف المعيشة فعلاً، أم أن تضخم مستورد سيعود ليقتطع جزءاً جديداً من الدخل الحقيقي.

اقرأ أيضاً: التضخم في بريطانيا: من يدفع الفاتورة.. الغذاء أم السكن أم الطاقة؟
















X