مفاجآت كثيرة حملتها المباراة السابقة بين إنكلترا والأرجنتين، حتى وصف الشوط الأول منها بالمصارعة وحلبة قتال. إلا أن القتال الحقيقي، والحماس الكبير يتربص الآن بالمباراة النهائية التي تجمع الأرجنتين وإسبانيا، فالأنظار كلها تتجه نحو ملعب ميتلايف MetLife في نيو جيرسي New Jersey، حيث سيتواجه نجمين من جيلين مختلفين.
فلامين يامال Lamin Yamal النجم الصاعد للمنتخب الإسباني استطاع إيصال منتخبه إلى النهائيات وسط تكتيك دفاعي وهجومي قائم على التعاون والتمريرات التي لطالما عرفتها الجماهير عن برشلونة Barcelona. بينما عبقرية ليونيل ميسي Lionel Messi في صناعة الأهداف حملت المنتخب الأرجنتيني المعروف عنه قلب النتائج في اللحظات الأخيرة للتصفيات النهائية. لذلك انهالت التوقعات والمراهنات على اللعبة النهائية غداً، محللين نقاط قوة كل فريق، وأدائه خلال رحلة الوصول للعبة الأخيرة، والتكتيكات التي يعتمدها.
إسبانيا والأرجنتين… طريقان مختلفان إلى المباراة النهائية
من تابع البطولة منذ بدايتها يلاحظ أن المنتخبين وصلا إلى النهائي لكن بطريقتين مختلفتين. فإسبانيا بدت مستقرة أكثر خلال البطولة منذ بدايتها. فرغم تعادلها السلبي في المباراة الافتتاحية، إلا أنها سرعان ما استعادت مستواها، وبدأت تفرض أسلوبها المعروف القائم على الاستحواذ والتمريرات القصيرة والسيطرة على إيقاع اللعب. ومع توالي المباريات خلال البطولة أصبح المنتخب الإسباني أكثر قوة وثقة، وبلغ هذا الأداء أعلى درجاته في نصف النهائي عندما قدم واحدة من أفضل مبارياته أمام فرنسا، بعدما نجح في إيقاف أحد أقوى خطوط الهجوم في البطولة، وفي الوقت نفسه فرض سيطرته الكاملة على اللقاء.
أما الأرجنتين، فكان لها أسلوب مختلف، فرغم أنه لم يقدم أداء مقنع من الناحية الفنية، إلا أنه كان قادراً على تجاوز المواقف الصعبة. ففي أكثر من مباراة وجد نفسه متأخراً في النتيجة، لكنه نجح في العودة خلال الدقائق الأخيرة، ليؤكد أن شخصية الفريق لا تقل أهمية عن الأداء الفني.
وإذا اتجهنا نحو الأرقام، فسنلاحظ أن المنتخب الأرجنتيني سجل عدداً كبيراً من أهدافه بعد الدقيقة 75، وهو ما يظهر حجم التحدي الذي يظهر لدى الفريق، وهذا ما جعل الكثير من المتابعين يرون أنه من الصعب إخراج الأرجنتين من أي مباراة، حتى عندما لا يقدم أفضل مستوياته.
لماذا تبدو إسبانيا المرشح الأقرب؟ ولماذا لا يمكن استبعاد الأرجنتين؟
رغم أن المباراة تبدو متوازنة على الورق، فإن معظم التحليلات تميل إلى منح الأفضلية لإسبانيا. فبحسب محلل أوبتا Opta المتخصص في الإحصاءات الرياضية، فإن المنتخب الإسباني يمتلك فريق متوازن، ويستند هذا الرأي إلى عدة أسباب، أبرزها السيطرة المستمرة على الكرة، والقدرة على الضغط العالي، بالإضافة إلى صلابة الدفاع الذي نجح في الحد من خطورة أقوى المنتخبات، وعلى رأسها فرنسا.
كما أن خط الوسط الإسباني كان أحد أبرز نقاط القوة طوال البطولة. فقد قدم رودري Rodri مستويات مميزة في تنظيم اللعب واستعادة الكرة، بينما لعب بيدري Pedri وفابيان رويز Fabian Ruiz دوراً كبيراً في صناعة الفرص والحفاظ على إيقاع المباراة. أما أهم ما تملكه إسبانيا هو أنها لا تعتمد على لاعب واحد، بل تمتلك مجموعة من اللاعبين القادرين على صناعة الفارق في أي لحظة.
لكن في المقابل لا يمكن التقليل من فرص الأرجنتين مهما كانت التوقعات لصالح إسبانيا. فالفريق أثبت خلال البطولة أنه يعرف تماماً كيف يتعامل مع المباريات الكبرى، ويملك شخصية البطل التي تظهر عندما تصبح الأمور أكثر صعوبة.
خبير كرة القدم في BBC Sport كريس ساتون Chris Sutton وصف المنتخب الأرجنتيني بأنه قد لا يكون الأفضل مقارنة بنسخ سابقة، لكنه يمتلك شيئاً لا يتوفر في كثير من المنتخبات، وهو الروح القتالية الكبيرة. ويرى ساتون أن لاعبي الأرجنتين يقاتلون حتى اللحظة الأخيرة، ويستخدمون كل ما لديهم للبقاء في المباراة، بالإضافة إلى امتلاكهم لاعباً عظيماً مثل ليونيل ميسي، القادر على تغيير النتيجة بلحظة واحدة.
أما شبكة BBC Sport فقد أجرت أيضاً مقارنة بين توقعات ساتون، وتوقعات الذكاء الاصطناعي باستخدام برنامج Microsoft Copilot Chat، بالإضافة إلى توقعات الجماهير عبر لعبة التوقعات الخاصة بها. اللافت أن ساتون والذكاء الاصطناعي اتفقا على ترجيح فوز إسبانيا بنتيجة 2-1، بينما كانت الجماهير أكثر انقساماً في توقعاتها، رغم تفوقها في دقة توقع نتائج البطولة بشكل عام.
معركة التفاصيل… ماذا قد يحسم النهائي؟
في مثل هذه المباريات، لا تكون الأسماء وحدها هي العامل الحاسم، بل التفاصيل الصغيرة، وأولى هذه التفاصيل ستكون معركة خط الوسط، حيث ستسعى إسبانيا إلى الاحتفاظ بالكرة لأطول فترة ممكنة وفرض أسلوبها المعتاد، بينما ستحاول الأرجنتين الضغط بقوة واستغلال أي خطأ في بناء الهجمة.
التفصيل الثاني يتعلق بليونيل ميسي، فالنجم الأرجنتيني لم يكن مجرد هداف خلال البطولة، بل صنع العديد من الفرص الحاسمة لزملائه. ولذلك سيكون إيقافه أحد أهم التحديات أمام الدفاع الإسباني الذي يعد الأقوى في البطولة حتى الآن.
بينما تمتلك إسبانيا ميزة واضحة وهي تنوع مصادر الخطورة. ففريقها لا يعتمد على لاعب واحد لتسجيل الأهداف، بل تُصنع الفرص من أكثر من مركز، وهو ما يجعل من الصعب على أي منافس إيقافه بالكامل.
كما يتوقع كثير من المحللين أن تبدأ المباراة بحذر شديد، خصوصاً في الشوط الأول، لأن المنتخبين كلاهما يدركان أن استقبال هدف مبكر قد يغير شكل المباراة بالكامل. لكن مع مرور الوقت، قد تزداد الهجمات وتظهر الفرص، خصوصاً إذا اضطر أحد الفريقين البحث عن التعادل أو الفوز.
ورغم أن إسبانيا تبدو أكثر قدرة على فرض أسلوبها، إلا أن الأرجنتين أثبتت أكثرة من مرة أنها لا تحتاج إلى السيطرة على الكرة حتى تحقق الفوز، بل يكفي أن تستغل لحظة واحدة أو خطأ واحد من المنافس.
في النهاية، المباراة مفتوحة على جميع الاحتمالات، فلكل فريق أسلوبه في الدفاع والهجوم. ورغم أن معظم التوقعات تميل لكفة منتخب إسبانيا، إلا أن الأرجنتين ملك المفاجآت في اللحظات الحاسمة. لذلك نحن أمام مباراة استثنائية تليق ببطولة ككأس العالم.
اقرأ أيضاً: أفضل ألتراس المنتخبات في كأس العالم 2026