شهدت الأسواق المالية البريطانية طفرة ملحوظة مع بداية العام الجديد، إذ تجاوز مؤشر فوتسي 100 مستوى 10000 نقطة لأول مرة منذ تأسيسه عام 1984. هذا الإنجاز أسعد المستثمرين، وقدم فرصة للمستشارين الماليين لتشجيع الناس على نقل جزء من مدخراتهم النقدية إلى الاستثمارات. فالمؤشر الذي يتتبع أداء أكثر من 100 شركة مدرجة في بورصة لندن قد ارتفع أكثر من خمس نقاط خلال عام 2025، ما يعكس إمكانية تحقيق أرباح طويلة الأجل.
لكن هذا التفاؤل يأتي في وقت يعاني فيه الكثيرون من صعوبة تغطية تكاليف المعيشة اليومية، ومع تحذيرات بعض الخبراء من أن بعض الأسهم قد يكون تم المبالغة في تقييمها، وهنا يبرز سؤال مهم: هل الوقت الحالي مناسب لتشجيع المستثمرين الجدد؟
يمكن للناس استثمار أموالهم بعدة طرق، وسهلت التطبيقات والمنصات الحديثة ذلك بشكل كبير. غير أن الاستثمارات معروفة بتقلباتها، فقد يرتفع أو ينخفض رأس المال بمرور الوقت، ولا يوجد ضمان أن يبقى الاستثمار كما هو بعد شهر أو سنة أو أكثر. ومع ذلك يمكن للاستثمارات طويلة الأجل أن تكون مربحة، خصوصاً إذا ارتفع مؤشر فوتسي 100 واستفاد المساهمون من الأرباح الموزعة، التي يمكن استخدامها كدخل إضافي أو إعادة استثمارها. لذلك غالباً ما ينصح الخبراء بالتعامل مع الاستثمار كخطة طويلة الأجل، لمنح المال فرصة للنمو بشكل أكبر مقارنة بالاحتفاظ به في حساب توفير محدود العائد.
بينما تعتبر المدخرات النقدية أكثر أماناً واستقراراً، على الرغم من تفاوت معدلات الفائدة بين البنوك، يعرف المدخر العائد المتوقع، ويمكنه الوصول إلى أمواله بسرعة وسهولة، ما يجعلها مثالية للطوارئ، أو العطلات، أو شراء سيارة أو تنظيم حفل زفاف. كما تقول أنا باوز Anna Bowes، خبيرة الادخار في شركة “ذا برايفت أوفيس The Private Office”: “وجود مدخرات نقدية يتيح لك الوصول إلى المال عند الحاجة، دون الحاجة إلى بيع استثماراتك في الوقت الخطأ”.
ويؤكد خبراء آخرون مثل جيما أرنولد Gemma Arnold من جمعية المساهمين الأفراد: “من المهم أن يبدأ الشباب بحساب للطوارئ قبل الدخول في عالم الاستثمار”. وتشير الهيئة التنظيمية المالية البريطانية إلى أن حوالي واحد من كل عشرة أشخاص لا يمتلك مدخرات نقدية، فيما يمتلك 21% أقل من 1000 جنيه إسترليني يمكنهم الاستعانة بها في الحالات الطارئة. ومع ذلك، النقد ليس بلا مخاطر، إذ يمكن أن تتضاءل القوة الشرائية للمدخرات مع ارتفاع تكاليف المعيشة إذا لم تتجاوز الفائدة معدل التضخم.
المخاطرة والمكافأة.. بين الاستثمار والمدخرات
يعمل البشر يومياً على تقييم المخاطر مقابل المكافآت، سواء في أمور بسيطة مثل عبور الشارع أو في القرارات المالية المعقدة. بالنسبة للمال، يميل البعض إلى الادخار حفاظاً على الأمان، بينما يختار آخرون الاستثمار بحثاً عن نمو أعلى. وبالتالي امتلاك مبلغ يمكن تحمل خسارته يمنح الشخص مرونة أكبر لاتخاذ قرارات مخاطرة محسوبة. وهناك مليارات الأشخاص لديهم أموال مستثمرة بالفعل، غالباً ضمن معاشاتهم التقاعدية، رغم أنهم لا يتابعونها باستمرار. وتشير FCA إلى أن سبعة ملايين بالغ في المملكة المتحدة لديهم مدخرات نقدية تفوق 10000 جنيه إسترليني يمكنهم الحصول على عوائد أفضل من خلال الاستثمار.
وفي هذا السياق، دعت وزيرة الخزانة راشيل ريفز Rachel Reeves المستهلكين إلى مزيد من المخاطرة، مؤكدة فوائد الاستثمار طويل الأجل لكل من الأفراد والاقتصاد البريطاني. وقد تم تعديل القوانين المتعلقة بحسابات التوفير الفردية المعفاة من الضرائب، بهدف تشجيع الاستثمار، وهو ما أثار جدلاً واسعاً، ويصاحبه حملة إعلامية موسعة خلال الأشهر المقبلة، مشابهة لحملة الثمانينيات الشهيرة “أخبر سيد” التي شجعت البريطانيين على الاستثمار في شركة بريتيش غاز التي تم خصخصتها فيما بعد.
لكن التساؤل المهم يبقى: هل الوقت الحالي مناسب للاستثمار؟ يشير بعض المحللين إلى مخاطر فقاعة الذكاء الاصطناعي، إذ قد تكون قيمة الشركات التي تستثمر بكثافة في هذا المجال مبالغاً فيها، مما قد يؤدي إلى انخفاض كبير في قيمتها مستقبلاً. وحتى كبار المسؤولين الماليين في البنوك والشركات الكبرى أعربوا عن قلقهم من لاعقلانية بعض الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي. وفي الحقيقة لا أحد يستطيع التنبؤ بما سيحدث، مما يجعل الاستثمار محفوفاً بالمخاطر على المدى القصير.
مع هذا الواقع يسعى الكثيرون للحصول على المساعدة قبل الاستثمار. وبسبب أن الاستشارات المالية المرخصة غالباً ما تكون مكلفة، ولا تهتم إلا بالأشخاص الذين يمتلكون مبالغ كبيرة للاستثمار. فقد يلجأ بعض الأفراد إلى الذكاء الاصطناعي أو وسائل التواصل الاجتماعي للحصول على نصائح مالية، رغم المخاطر المحتملة للاحتيال أو التوصيات غير الموثوقة. وأظهر استطلاع FCA أن واحداً من كل خمسة أشخاص يلجأ إلى العائلة أو الأصدقاء أو الإنترنت للحصول على المساعدة في اتخاذ قرارات مالية.
والجدير بالذكر أنه ابتداءً من أبريل ستسمح القوانين الجديدة للبنوك والمؤسسات المالية بتقديم دعم استثماري موجه ومجاني للعملاء، لكنه لن يصل إلى مستوى الاستشارات الشخصية المفصلة، والتي تبقى خدمة مقدمة من المستشارين الماليين المرخصين مقابل رسوم. بالرغم من ذلك يعتبر هذا خطوة كبيرة نحو توسيع الوصول إلى التوجيه المالي، رغم أنه لا يقدم ضمانات للنجاح.
في النهاية، سواء اخترت الادخار أو الاستثمار، يبقى التوازن بين وجود مدخرات بين يديك، ومبلغ مالي يمكنك المخاطرة به هو المفتاح. والأهم من ذلك أن يكون لديك خلفية معلوماتية حول الاستثمار الذي ستدخل به، ومدى نجاحه وفشله. لأن ذلك سيحميك من تقلبات السوق.
اقرأ أيضاً: طرق ذكية لتوفير المال في وقت فراغك بسهولة ودون عناء