شهدت المملكة المتحدة خلال الأشهر الثلاثة الماضية انخفاضاً غير متوقع في معدل البطالة، في وقت كان من المتوقع أن يبقى المعدل دون تغيير تقريباً. هذا الانخفاض لم يكن نتيجة زيادة فرص العمل، بل ارتبط بعوامل أخرى أهمها تراجع عدد الطلاب الذين يبحثون عن عمل أثناء دراستهم، وارتفاع عدد الأشخاص الذين تركوا عملية البحث عن وظائف.
أعلن مكتب الإحصاءات الوطنية البريطاني أن معدل البطالة انخفض إلى 4.9%، بينما كانت التوقعات تشير إلى بقائه عند 5.2%. بينما ارتفع عدد الأشخاص غير النشطين اقتصادياً، أي الذين لا يعملون ولا يبحثون عن عمل، وهو ما ساهم بشكل مباشر في انخفاض معدل البطالة.
وقالت ليز ماكيون Liz McKeown مديرة الإحصاءات الاقتصادية في مكتب الإحصاءات الوطنية، إن التراجع في البطالة ترافق مع زيادة في عدد الأشخاص الذين لا يبحثون عن عمل بشكل نشط، مؤكدة أن هذا التغير كان واضحاً بشكل خاص بين الطلاب الذين قل بحثهم عن وظائف إلى جانب دراستهم.
تغير سوق العمل وارتفاع الخمول الاقتصادي
تشير البيانات إلى أن انخفاض معدل البطالة لا يعني بالضرورة تحسناً حقيقياً في سوق العمل، بل يعكس تغيراً في سلوك الأفراد. فقد ارتفع ما يعرف “بمعدل الخمول الاقتصادي” إلى 21% خلال الفترة من ديسمبر إلى فبراير، مقارنة بـ20.7% سابقاً، وهو مؤشر يقيس نسبة الأشخاص الذين لا يعملون ولا يبحثون عن عمل.
في الوقت نفسه، تعرضت بيانات سوق العمل البريطانية لانتقادات تتعلق بجودتها، حيث تم الإشارة إلى ضعف في مسح القوى العاملة بسبب انخفاض نسب الاستجابة. ورغم ذلك، أكد مكتب الإحصاءات الوطنية أنه يعمل على تحسين هذه البيانات.
كما أن جزءاً كبيراً من الإحصاءات الأخيرة تم جمعها قبل اندلاع التوترات المرتبطة بالحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، والتي أدت لاحقاً إلى ارتفاع أسعار الطاقة بشكل ملحوظ. وحذر اقتصاديون من أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة قد يؤثر على سوق العمل خلال الأشهر المقبلة.
وفي بيانات أخرى أظهرت التقديرات أن عدد العاملين على كشوف الرواتب انخفض بمقدار 11 ألف شخص في شهر مارس، وهو أول شهر يتأثر فيه السوق بتداعيات الحرب. كما تراجع عدد الوظائف الشاغرة إلى 711 ألف وظيفة بين يناير ومارس، وهو أدنى مستوى منذ نحو خمس سنوات.
أما على صعيد النمو فقد أظهرت البيانات الرسمية أن اقتصاد المملكة المتحدة نما بنسبة 0.5% في فبراير، وهو رقم أعلى من المتوقع، مما يعني أن الاقتصاد كان يتحسن قبل اندلاع الأزمة.
آراء الخبراء بالتغييرات الحالية
ارتفعت الرواتب في بريطانيا بنسبة 3.6% بين ديسمبر وفبراير، وهو أضعف نمو منذ أواخر عام 2020. ورغم هذا التباطؤ، فإن الأجور ما زالت ترتفع بوتيرة أعلى من التضخم، لكن الخبراء يتوقعون تغير هذا الوضع في المستقبل القريب.
يرى الخبير الاقتصادي جيمس سميث James Smith من بنك آي إن جي ING Bank أن انخفاض البطالة لا يعكس تحسناً حقيقياً في التوظيف، بل يعود بشكل أساسي إلى ارتفاع عدد الأشخاص غير النشطين اقتصادياً، مشيراً إلى أن هذا واضح بشكل خاص بين الطلاب.
أما يايل سيلفين Yael Selfin كبيرة الاقتصاديين في شركة كي بي إم جي المملكة المتحدة KPMG UK، فقد أوضحت أن سوق العمل كان يظهر بعض علامات الاستقرار في فبراير، لكن من المحتمل أن يشهد تراجعاً في الفترة المقبلة بسبب ارتفاع التكاليف وضعف الطلب.
من جهة أخرى، قال صندوق النقد الدولي إن الصدمة الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة قد تجعل المملكة المتحدة من أكثر الاقتصادات المتقدمة تأثراً، حيث خفض توقعات النمو إلى 0.8% فقط بدلاً من 1.3%.
ردت الحكومة البريطانية على الأرقام السابقة، إذ قال وزير العمل بات ماكفادين Pat McFadden إن البيانات تظهر تحسناً في بداية العام مع انخفاض البطالة وزيادة عدد العاملين مقارنة بالعام الماضي، لكنه أشار إلى أن تداعيات الحرب قد تؤثر على الأسعار والتوظيف فيما بعد.
أما وزيرة الظل هيلين ويتلي Helen Whately فقالت إن ارتفاع عدد الأشخاص غير النشطين اقتصادياً لا يعوض انخفاض البطالة، معتبرة أن سياسات الحكومة أثرت سلباً على سوق العمل. بينما انتقد روبرت جينريك Robert Jenrick من حزب إصلاح المملكة المتحدة الضرائب الحكومية، معتبراً أنها أضعفت فرص العمل، خاصة بين الشباب. كما أشار متحدث باسم حزب بلايد كيمرو Plaid Cymru إلى أن أرقام التوظيف في ويلز ما زالت أقل من المتوسط البريطاني، مما يعكس ضعف السياسات الاقتصادية هناك.
في النهاية، يمكن القول إن انخفاض معدل البطالة في بريطانيا من 5.2% إلى 4.9% لا يعكس بالضرورة تحسناً قوياً في سوق العمل، بل يعود بشكل كبير إلى ارتفاع عدد الأشخاص الذين توقفوا عن البحث عن عمل، خاصة بين الطلاب. ويبدو أن الحرب الأمريكية الإيرانية لعبت دوراً في هذا التغيير، بالتعاون مع السياسات الحكومية التي لا يراها البعض مناسبة.
اقرأ أيضاً: الوظائف في بريطانيا.. دليلك إلى المهن الأعلى أجراً وتأثيرها على سوق العمل