يبدو أن رؤيتان متناقضتان تتصارعان على مستقبل بريطانيا اليوم. فبين خطاب يعد بـ“استعادة النظام” عبر ترحيل اللاجئين جماعياً، وبرنامجٍ حكومي يقول إنه سيجفّف منابع التهريب ويُسرّع البت في الطلبات، تبدو البلاد وكأنها تختبر ميزانها الأخلاقي والقانوني والسياسي دفعةً واحدة.
ترحيل اللاجئين بين وعدِ “الإصلاح” وبراغماتية العمّال
أطلق نايجل فاراج وحركة الإصلاح البريطانية Reform UK خطةً صادمة بعنوان “استعادة العدالة”، تتعهد باحتجاز جميع “المهاجرين غير النظاميين” بمن فيهم النساء والأطفال، والشروع في ترحيلٍ واسع قد يبلغ 600 ألف شخص خلال خمس سنوات، مع دعوةٍ صريحة للانسحاب من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان وإلغاء قانون حقوق الإنسان البريطاني لقطع الطريق على الطعون القضائية.
ورُوِّج للخطة على أنها الحل الوحيد أمام “فوضى القوارب”، فيما حذّر فاراج من “اضطرابات مدنية” إذا لم تُنفَّذ على عجل. فيما أثارت الطروحات ردوداً قانونية وأخلاقية غاضبة، ليس فقط لأن الأرقام هائلة، بل لأن تفكيك مظلة الحقوق يضع بريطانيا على مسار تصادمي مع التزاماتها الدولية، ويهدد ترتيبات حسّاسة كاتفاق السلام في أيرلندا الشمالية، وفق تحذيرات واسعة النطاق.
في المقابل، طوى حزب العمّال الصفحة الأكثر جدلاً في سياسة الترحيل حين أعلن رئيس الوزراء كير ستارمر إلغاء مخطط رواندا فور تسلمه الحكم صيف 2024، مستعيضاً عنه بقيادة موحّدة لإنفاذ الحدود تحت اسم “قيادة أمن الحدود” تُلاحِق شبكات التهريب وتُسرّع إجراءات اللجوء. والرسالة هنا: التركيز على الجريمة المنظمة ورفع كفاءة المنظومة بدلاً من رمزية الرحلات القسرية إلى بلدٍ بعيد.
ما وراء الشعارات: قانون وسياسة وواقع إداري
قانونياً، يشترط وعد “الإصلاح” إعادة صياغة علاقة بريطانيا بأطر حقوق الإنسان المحلية والدولية. الانسحاب من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان وإلغاء قانون حقوق الإنسان لا يعني فقط تغيير نصوص؛ بل فتح أبوابٍ لنزاعات مع المحاكم المحلية والدولية، وتعقيداتٍ دبلوماسية مع دولٍ يُراد التفاوض معها على استقبال المُرحَّلين. وقد عرضت الخطة ملامح شراكات مع دول ذات سجلات حقوقية قاتمة، ما أثار أسئلة صعبة حول مبدأ “عدم الإعادة القسرية” واحتمالات التعذيب أو الاضطهاد بعد الترحيل. هذه الاعتراضات تحولت خلال الساعات الماضية إلى محور انتقادات الأحزاب المعارضة وخبراء القانون ومنظمات المجتمع المدني.
إدارياً، تُظهِر تجربة رواندا لماذا يصعب تحويل “القسوة الرمزية” إلى سياسة نافذة. فبعد معاركٍ قضائية وسياسية امتدت ثلاث سنوات وانتهت بتشريعات استثنائية، لم تُنفّذ الفكرة، قبل أن يعلن العمّال دفنها والاستفادة من الأموال المخصّصة لتعزيز إنفاذ القانون ضد المهرّبين. والدرس واضح: من دون منظومة لوجستية وقانونية قابلة للتطبيق، يتحول ترحيل اللاجئين إلى شعار أكثر منه سياسة.
أين تقف حكومة العمّال الآن؟
حكومة ستارمر حاولت أن تُثبت أن البدائل ليست “رخوة”. إذ أعلنت تشديداً تدريجياً لقواعد الهجرة القانونية لخفض صافي الأعداد، وأطلقت نظام عقوبات يستهدف شبكات التهريب ومموليها، ورفعت وتيرة “الإبعاد الإداري” لمن لا أساس قانونياً لبقائهم. وفي يناير 2025 تفاخرّت الحكومة بأنها حققت أعلى وتيرة إبعادات منذ 2018، مع استمرار التأكيد على الفصل بين من لهم حق الحماية ومن لا يملكونه. وهذه المقاربة لا تلغي ترحيل اللاجئين تماماً، لكنها تجعله إجراءً محكوماً بالقانون والاتفاقيات، لا عقيدةً سياسية قائمة بذاتها.
السياسة حين تركب البحر
جزءٌ من جاذبية خطاب “الإصلاح” أنه بسيط وقاطع في مواجهة صور القوارب التي تتصدّر نشرات الأخبار. لكن بساطة الشعارات لا تعني بساطة التنفيذ. فحتى تقدير “عدد المُرحَّلين” المفترضين يظلّ افتراضاً في بيئة معقّدة تتداخل فيها طلبات لجوء قيد النظر، وحالات اتجار بالبشر، وأطفال غير مصحوبين بذويهم، وملفات جنائية وجنائية-دولية. وبينما تُظهر استطلاعات الرأي تصاعداً في قلق الناخبين من الهجرة، يسعى العمّال إلى احتواء المزاج العام بسياسة “صرامةٍ مع العصابات وسرعةٍ في البتّ”، على أمل أن تُبدّد الأرقام والنتائج اليومية جاذبية الوعود القصوى. أما “الإصلاح” فيراهن على موجة غضبٍ يمكن أن تُبدّل خريطة السياسة البريطانية إذا اقترنت بأحداثٍ أمنيةٍ صادمة أو أزمات خدمات عامة.
إلى أين يتجه الميزان؟
المرجّح أن المعركة ستُحسَم في ثلاث ساحات: ساحة المحاكم حيث تُختبَر أي محاولةٍ لـترحيل اللاجئين جماعياً أمام مبدأ عدم الإعادة القسرية؛ وساحة الإدارة حيث تُقاس كفاءة العمّال في تفكيك شبكات التهريب وخفض أعداد القوارب إلى ما دون العناوين الصاخبة؛ وساحة الرأي العام التي كثيراً ما تميل حيث تتوفر النتائج السريعة والملموسة. فإذا نجح العمّال في خفض الأرقام فعلاً، سيضعفون الحجة الأخلاقية والسياسية لخطاب “الترحيل الشامل”. وإن أخفقوا، فسيساهم الإخفاق نفسه في تغذية سردية “الإصلاح” بأن بريطانيا بحاجة إلى قطعٍ جذري مع منظومة الحقوق والهجرة القائمة.
وفي النهاية، لا يقتصر الاختبار على من يشدُّ الخيط أكثر بين الأمن والحرية، بل على من يصوغ معادلةً قابلة للحياة في دولة قانون. فالمجتمعات لا تُقاس بما تفعله في الأوقات المريحة، بل بكيف تضبط بوصلة العدالة حين تعصف بها رياح الخوف والغضب. وبين وعودِ “ترحيل اللاجئين” الجماعي وبرنامج العمّال الأمني-القانوني، ستكشف الشهور المقبلة إن كانت بريطانيا قادرةً على أن تُحافظ على حدودها… من دون أن تخرق حدودها الأخلاقية!
اقرأ أيضاً: عرقلات تواجه اللاجئين السوريين في المملكة المتحدة