تشهد بريطانيا خلال الأشهر الأخيرة تصاعد في وتيرة نشاط مجموعات تتخذ من معارضة الهجرة دافعاً لتنظيم دوريات في الشوارع أو التدخل في قضايا مرتبطة بالمهاجرين وطالبي اللجوء. وبرزت هذه الظاهرة بشكل أكبر منذ صيف العام الماضي 2025، مع انتقال بعض التحركات من الاحتجاج إلى مراقبة الشوارع ومهاجمة الفنادق ومحاولة فرض ما تعتبره هذه المجموعات إجراءات لحماية المجتمع.
ظهور 28 مجموعة ضد المهاجرين خلال 18 شهراً
تشير التحليلات إلى تشكل ما لا يقل عن 28 مجموعة مناهضة للهجرة خلال الأشهر الثمانية عشر الماضية في بريطانيا، حيث تمتد أنشطتها لتشمل مناطق مختلفة من المملكة بدءاً من أيرلندا الشمالية ووصولاً إلى جنوب إنجلترا. وتتفاوت طبيعة هذه المجموعات، فبعضها يركز على تنظيم دوريات ليلية بالقرب من أماكن إيواء طالبي اللجوء، بينما تحاول مجموعات أخرى التدخل عند وصول المهاجرين عبر القناة الإنجليزية (بحر المانش) أو تنظيم احتجاجات بالقرب من الموانئ.
تدعي بعض هذه المجموعات أنها تتحرك لحماية المجتمع البريطانيا، خاصةً النساء والأطفال، وذلك عبر التدخل في مواقف تعتقد أن الشرطة أو الحكومة قد تقاعست عن التعامل معها بشكل كافٍ. وخلال بعض الدوريات، يظهر المشاركون بملابس سوداء وأقنعة وسترات واقية، وهي صورة بصرية توحي بوجود قوة أمنية منظمة، رغم افتقارهم إلى صلاحيات الشرطة أو السلطة القانونية لإنفرض قوانين الهجرة.
ويثير هذا الاتجاه مخاوف بشأن انتقال المسؤوليات الأمنية من المؤسسات الرسمية إلى مجموعات من المواطنين العاديين الذين قد يفتقرون إلى التدريب والرقابة اللازمين لرجال الشرطة.
اقرأ أيضاً: الإقامة الدائمة على المحك: بريطانيا تغير مسار المهاجرين باستخدام الإعانات!
تصاعد التوترات في الشارع
تزايدت حالة القلق في الأيام الأخيرة عقب تجمعات في المناطق الساحلية، حيث قام محتجون بقطع الطرق وتعطيل حركة المرور بالقرب من الموانئ.
ففي إحدى البلدات الساحلية، تجمع نحو 200 شخص إثر وصول أكثر من مائة طالب لجوء جرى إنقاذهم من قارب في القناة الإنجليزية. وقد تحولت المظاهرة إلى مواجهة متوترة مع الشرطة، وسط تقارير عن اعتداءات طالت عدداً من الضباط. وتأتي هذه الأحداث في وقت أصبحت فيه قضية الهجرة واحدة من أكثر القضايا حساسية في المجتمع البريطاني، في ظل استمرار وصول قوارب صغيرة تقل مهاجرين وطالبي لجوء عبر القناة الإنجليزية.
لعبت منصات التواصل الاجتماعي دوراً محورياً في انتشار هذه المجموعات والترويج لأنشطتها، إذ تقوم جهات مختلفة بنشر صور ومقاطع فيديو لدورياتها واحتجاجاتها لإبراز حضورها أمام الرأي العام واستقطاب أعضاء جدد. ويشير باحثون متخصصون في قضايا التطرف إلى أن استخدام الزي الموحد والمعدات الواقية والدوريات المنظمة يضفي على هذه المجموعات طابعاً يوحي بالسلطة، حتى وإن كان عدد المشاركين فيها قليلاً.
كما يحذر الخبراء من أن الخطاب الذي يتمحور حول حماية النساء والأطفال قد يستخدم كأداة للاستقطاب والتجنيد، خاصةً عندما يتم ربط المخاوف الأمنية بشكل مباشر، وغالباً دون أدلة كافية بخصوص بقضية الهجرة.
تحذير من المبادرات الفردية لفرض القانون
تحذر القوات الأمنية من مخاطر قيام المواطنين العاديين بتطبيق القانون بأنفسهم، وتشدد على أن الشرطة مدربة للتعامل مع الجرائم والحوادث حسب الإجراءات القانونية المتبعة. وتوجد مخاوف من أن يؤدي استمرار انتشار هذه المجموعات إلى تفاقم التوترات الاجتماعية، إذا تطورت الدوريات والاحتجاجات لتتحول إلى مضايقات أو مواجهات أو أعمال عنف.
وفي ظل الجدل الدائر حول سياسة الهجرة ومعاملة طالبي اللجوء، تواجه المملكة المتحدة تحدياً آخر متمثل في تزايد نشاط مجموعات تعتقد أنها قادرة على أداء دور أمني خارج إطار المؤسسات الرسمية، مما يضع السلطات في موقف صعب يتطلب الموازنة بين الحفاظ على الأمن وحق الاحتجاج، مع العمل في الوقت ذاته على الحيلولة دون تحول النزاعات المتعلقة بالهجرة إلى اشتباكات في الشوارع.