شهدت بريطانيا في السنوات الأخيرة انتشاراً واسعاً لتطبيقات المواعدة، حتى باتت من الوسائل الشائعة للتعارف وبناء العلاقات في ظل التحولات الاجتماعية والاعتماد المتزايد على التكنولوجيا بين مختلف شرائح المجتمع البريطاني. الإحصاءات تشير إلى أن نسبة كبيرة من الشباب والبالغين يستخدمون هذه التطبيقات للبحث عن شريك محتمل وسط مواصفات معينة، مدفوعة بسهولة الوصول إليها، وتنوع الخيارات وتعددها وسهولة الرفض إذ أن كل تلك المقابلات تتم من وراء الشاشة، إضافة لسرعة التواصل التي توفرها. ورغم ما تمنحه من فرص للتعارف، فإنها تثير الكثير من النقاش حول تأثيرها على أنماط العلاقات الاجتماعية وجودتها.
لنتعرف على مخاطر تطبيقات المواعدة، ومستقبل تلك التطبيقات، وما قصّة المسلمين معها.
مخاطر تطبيقات المواعدة المنتشرة في بريطانيا
بالرغم من شعبيتها المتزايدة والكبيرة، إلا أن لتطبيقات المواعدة مخاطر متعددة لا يمكن أبداً تجاهلها. فهي قد تعرّض المستخدمين لعمليات احتيال وسرقة بيانات شخصية أو مالية عبر الحسابات المزيفة، إضافة إلى إمكانية مواجهة تحرش أو ابتزاز إلكتروني.
الإفراط في استخدامها قد يؤدي إلى علاقات سطحية وهشّة قائمة على المظاهر بدلاً من التفاهم العميق، فضلاً عن انعكاسها السلبي على الصحة النفسية مثل زيادة القلق والشعور بالعزلة أو الإحباط. ولهذا فإن التعامل معها يحتاج إلى وعي وحذر لضمان الاستفادة من مزاياها وتجنب سلبياتها.
في السياق ذاته، أجرت جامعة “أوسلو Oslo” دراسة على مستخدمي تطبيق المواعدة “تندر Tinder app” في العاصمة النرويجية، وخلصت فيها إلى أن بعض المستخدمين يعاملون التطبيق معاملة ألعاب الفيديو، تمنحهم الإحساس بالانتصار أو الإحباط.
كما كشفت تقارير إحصائية أجراها مركز مكافحة الاحتيال التابع للشرطة البريطانية في العام 2019، أن عمليات الاحتيال بواسطة التطبيقات والمواقع، التي أُجريت بـ”اسم الحب”، ازدادت العام الماضي، وأشارت الإحصائيات إلى أن خسائر البريطانيين من عمليات الاحتيال باسم الحب والمواعدة في العام 2018 بلغت نحو 50 مليون جنيه إسترليني، بزيادة 27 بالمئة مقارنة بـ2017.
اقرأ أيضاً: اختراق جديد.. الأمن السيبراني في بريطانيا على المحك
فضيحة تطبيقات المواعدة في بريطانيا… تسريب صور وبيانات المستخدمين
تتنوع الخدع التي يمارسها المحتالون بين طلب إرسال أموال أو جمع بيانات شخصية تساعدهم على سرقة هويات الضحايا، ثم استغلالها، وقالت الشرطة إن “الضحايا غالباً ما يتم استهدافهم عبر مواقع وتطبيقات المواعدة أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويستخدم المحتالون حسابات مزيفة على تلك المواقع والتطبيقات لإقامة علاقة مع الضحايا”.
في يوليو 2025، دوّت فضيحة هزت بريطانيا عن تسريب 72 ألف صورة شخصية، بما في ذلك بطاقات هوية، مما أثار تساؤلات حول أمان البيانات الخاصة المستخدمة في هذه التطبيقات وفي عصر الرقمنة.
هذا الحدث لم يكن مجرد خرق تقني عابر، فمع انتشار تطبيقات المواعدة كجزء لا يتجزأ من حياة الكثيرين، أصبح من الضروري التوقف والتفكير: هل نحن حقاً آمنون ونحن نضع مشاعرنا وحياتنا الخاصة بين أيدي الخوارزميات؟
في 25 يوليو 2025، أعلنت شركة تطبيق “Te”، المنصة التي صممت بالتحديد للنساء للتحقق من خلفيات الرجال قبل المواعدة، عن تعرضها لهجوم سيبراني واسع النطاق، في حين تمكن القراصنة من الوصول إلى نظام تخزين قديم احتفظ بصور شخصية لأكثر من 72 ألف مستخدمة، بما في ذلك صور بطاقات هوية استخدمت للتحقق من الهوية.
التطبيق، الذي تفرّد بفكرته التي تتيح للنساء مشاركة تجارب المواعدة وتحذير بعضهن البعض من (Red Flags) وهذا ما جعله مشهوراً، واجه انتقادات حادة بعدما تبين أن هذه البيانات لم تُحذف كما وعدت الشركة في سياسة خصوصيتها.
هذا النوع من التطبيقات لا يضمن الخصوصية، ويعرض الحياة والأموال للخطر، فمهما بلغت الميزات بتلك التطبيقات، لا يستطيع الشخص سبر أغوار الآخر دون لقاء أولي استيضاحي خارج عن نطاق التطبيقات ومعرفة تفاصيل عن الشخص الآخر وحياته بمعزل عن الشاشات.
اقرأ أيضاً: السلطات البريطانية تحذر من يبحث عن الحب
أين المسلمين من تطبيقات المواعدة… هل لهم تطبيقات خاصة؟
في بريطانيا شهد حضور المسلمين في تطبيقات المواعدة تبايناً ملحوظاً، حيث ينظر إليها البعض كوسيلة عملية للتعرف على شريك حياة في مجتمع سريع الإيقاع، بينما يتردد آخرون بسبب البعد الثقافي والديني لهذه التطبيقات.
صعود المنصات المخصصة للمسلمين مثل Muzmatch وSingleMuslim أدى إلى إقبال أكبر من الشباب المسلم، إذ توفر بيئة أكثر توافقاً مع القيم الإسلامية، كما أنها تراعيها من حيث نية الزواج والالتزام بالجدية، على عكس التطبيقات العامة مثل Tinder أو Bumble التي غالباً ما ترتبط بالعلاقات غير الرسمية التي لا تناسب المسلمين وتعاليم دينهم.
مع ذلك، ما زال الحرج الاجتماعي والاعتبارات العائلية يشكلان عائق أمام الاستخدام العلني لهذه التطبيقات في الأوساط المسلمة في بريطانيا، حيث يميل الكثير من المسلمين إلى استخدام هذه التطبيقات بسرية أو ضمن نطاق محدود.
يمكن القول بشكل عام، أنه هناك إقبال متزايد على تلك التطبيقات، خاصة بين الجيل الثاني والثالث من المسلمين البريطانيين، الذين يحاولون الموازنة بين التقاليد الدينية ومتطلبات الحياة المعاصرة وسط البيئة التي يعيشون فيها.
في شمالي لندن، اجتمع أكثر من ألف شابة وشاب مسلمين للتعارف بهدف الزواج، في ما سمّي بالـ “المواعدة الحلال”، في حين تظهر التطبيقات الإلكترونية الاعتيادية الاسم والسن والصورة وربما المهنة أو الاهتمامات الموسيقية للشركاء المحتملين، ما يميز تطبيقات المواعدة الحلال التي تجذب أعداداً من المسلمين في بريطانيا، أنها تطلب المزيد من التفاصيل المحددة.
يتم سؤال من يسجلون أنفسهم لدى هذا الموقع الخاص بالمواعدة للمسلمين نحو 25 سؤالاً، تشمل مدى تدينهم ومواظبتهم على الصلاة، ومتى يريدون الزواج وما إذا كانوا يتناولون الكحوليات.
كما تطبق العناصر التقليدية للزواج الإسلامي المرتب في هذا التطبيق، حيث يمكن إخفاء الصور الشخصية للمستخدم إلى حين شعوره بالارتياح تجاه مشاركة صوره، ومن أجل التأكد من أن الجميع يتصرف بأدب، يمكن للمستخدمين اختيار “ولي” (محرم) وهو طرف ثالث يراقب المناقشات بين الطرفي.
في برمنغهام Birmingham ، أسست البريطانية المسلمة “فرين مِدي “Frien Med” خدمة العزاب المسلمون (Islamic Singles) في 2020، لمساعدة المسلمين على الزواج، محاوِلة تلافي عيوب المنصات الأخرى. وهي تقول: بعد مدة، يتسلل الملل إلى كثير من مستخدمي تطبيقات المواعدة، فيقررون وقف استخدامها
في السياق اته أطلق “شاهزاد يونس” في بريطانيا تطبيق (Muzz) في 2015 أشهر تطبيق مواعدة إسلامي، وبدأ الدعاية له على أبواب المساجد وفي تجمعات المسلمين، ثم أصبح أشهر منصة لزواج المسلمين.
ضمن سياق المواعدة تطل “نعيمة فرح”، وهي مستشارة نفسية في العلاقات الزوجية معقبةً على الموضوع: توفر المنصات خيارات كثيرة، وهذا سلبي من الناحية النفسية، ما يخلق توتراً وعدم ثقة في اتخاذ القرار، أما عندما يكون الأهل أو الأصدقاء منخرطين في العملية، فإنهم يعطونها بُعداً جدّياً، ويمنحونها ثقة وإيجابية”. في إشارة منها لإمكانية وجود “المحرم ” في تطبيقت المواعدة المخصصة للمسلمين.
اقرأ أيضاً: استغلال بطاقات الصالات الرياضية لسرقة البيانات المصرفية
في الختام، تطبيقات المواعدة في بريطانيا لها سلبيات أكثر من الإيجابيات فهي تشكل خطر على المجتمع البريطاني من خلال عمليات النصب والاحتيال والاعتداءات التي تقع من ورائها، وتحديداً تشكل خطر على المجتمع المسلم المتحفظ في بريطانيا في حال لم تخض لرقابة صارمة تراعي الخطوط الحمراء فيها وتعاليم الدين الإسلامي.