تزايد استخدام التكنولوجيا في الأونة الأخيرة حتى أصبح جزءاً من منظومة المراقبة والأمان التي تعتمد عليها الدول المتقدمة، ومنها بريطانيا التي بدأت في تعزيز استخدام تقنية التعرف على الوجوه ضمن أجهزة الشرطة. لكن ما أثار التساؤل هو تعاونها مع شركات إسرائيلية مختصة بمجال الذكاء الاصطناعي والمراقبة.
وقد جاء هذا التعاون ضمن شراكة مع شركة “كورسايت إيه آي Corsair AI” الإسرائيلية، التي طبقت تقنيتها سابقاً في مناطق النزاع، بما في ذلك غزة، حيث أثيرت تقارير عن أخطاء أدت إلى اعتقالات تعسفية واحتجاز غير مبرر، مما أثار مخاوف حقوقية واسعة. وفي تفاصيل الشراكة، يتم توريد التقنية في المملكة المتحدة عبر الشركة البريطانية “ديجيتال بارييرز Digital Barriers”، التي تتعاون مع “كورسايت” لتقديم الأنظمة للشرطة، وتم الإعلان عن خطط لتوسيع أسطول سيارات التعرف على الوجوه من عشر سيارات حالياً إلى أكثر من خمسين، لتصبح متاحة لجميع قوات الشرطة في إنجلترا وويلز.
يرى ناشطون ومنظمات حقوقية أن الشراكة مع شركة مرتبطة بمنظومة المراقبة الإسرائيلية تثير تساؤلات حول تناسق السياسات البريطانية مع التزاماتها الحقوقية. فقد طالبت منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش Human Rights Watch الحكومة البريطانية بضمان إجراء “عناية واجبة صارمة بحقوق الإنسان” عند إبرام العقود، وعدم إنفاق أموال دافعي الضرائب على شركات تسهم في انتهاكات، مع التأكيد على ضرورة وجود إطار قانوني شامل يشمل جميع مستخدمي التقنية، وليس الشرطة فقط، للحفاظ على ثقة الجمهور.
يهدف التوسع إلى تمكين الشرطة من رصد الأشخاص المدرجين على قوائم المراقبة، سواء للاشتباه في ارتكاب جرائم أو للعثور على المفقودين، إلا أن هذه الخطوة أثارت جدلاً حول الحريات المدنية ودقة الأنظمة، خاصة بعد تقارير عن إخفاقات مشابهة لاستخدامها في النزاعات العسكرية. وأكدت وزيرة الداخلية شبانة محمود، أن التقنية أظهرت إمكانات كبيرة في دعم عمل الشرطة، مع الإشارة إلى أنها ساعدت في تنفيذ عمليات اعتقال متعددة ضمن قوة شرطة العاصمة فقط، ما يعكس قدرتها على تعزيز جهود الأمن العام.
تقنية التعرف على الوجوه واستخدامها في بريطانيا
تعتمد تقنية التعرف على الوجوه على إنشاء تمثيل رقمي للوجه على شكل أرقام، بدلاً من تخزين الصورة نفسها، ثم يتم مقارنة هذا التمثيل مع قاعدة بيانات تحتوي على وجوه معروفة لتحديد درجة التشابه. وقد شهدت السنوات الأخيرة تطوراً ملحوظاً في أداء هذه الخوارزميات، خاصة باستخدام الشبكات العصبية التلافيفية العميقة، وهي شبكات متعددة الطبقات مصممة لمحاكاة طريقة عمل الدماغ البشري.
يمكن أن ترتكب الأنظمة نوعين من الأخطاء، الأول عدم التعرف على الشخص المطلوب، والثاني التعرف على شخص غير صحيح، إلا أن أفضل الخوارزميات الحديثة تحقق معدلات دقة عالية جداً، حيث تقدر نتائج الإستجابة الخاطئة أقل من 50%، بينما تقدر نتائج الإستجابة الصحيحة 99%. وتشير بيانات الشرطة البريطانية إلى أن الأنظمة المستخدمة تعيد الهوية الصحيحة في حوالي 99% من الحالات، وهو مستوى دقة يوازن بين التعرف الصحيح وتقليل الأخطاء.
تمتلك جميع قوات الشرطة البريطانية القدرة على استخدام “التعرف على الوجوه الاسترجاعية” لتحليل الصور الملتقطة من كاميرات المراقبة، بينما تستخدم بعض القوات “التعرف على الوجه المباشر” في الأماكن العامة لمطابقة الأشخاص مع قوائم المراقبة. كما تم تطوير تطبيقات جوال تمكن الضباط من التقاط صورة عند إيقاف شخص ومقارنتها مباشرة مع قاعدة البيانات. ولا يقتصر استخدام التقنية على الشرطة، إذ تستخدمها بعض الشركات الخاصة لأغراض أمنية، مثل التعرف على سارقي المتاجر المتكررين.
وعلى الصعيد المجتمعي، أظهر استطلاع حديث أجري في يناير 2026 شمل أكثر من ألف شخص في إنجلترا وويلز أن نحو 80% يشعرون بالراحة تجاه استخدام الشرطة لهذه التقنية، رغم أن الثقة في الاستخدام المسؤول للشرطة لا تتجاوز 55%. ويبقى الدعم قوياً لاستخدام التقنية في التحقيقات الجنائية والبحث عن المفقودين وتحديد مرتكبي الجرائم، حيث تتراوح نسبة الموافقة بين 86 و90%. ومع ذلك يظل القلق حول الخصوصية والانحيازات الديموغرافية قائماً، خصوصاً فيما يتعلق بالوجوه غير البيضاء، إلا أن الأنظمة الحديثة المدربة على مجموعات بيانات أكبر ومتوازنة تقلل هذا التحيز إلى مستويات منخفضة جداً.
باختصار، تكشف تقنية التعرف على الوجوه بالذكاء الاصطناعي مدى الانسجام بين قرارات الحكومة البريطانية الخاصة بغزة وحقوق الإنسان، وما تطبقه على أرض الواقع من خلال التعاون مع شركات إسرائيلية. وعلى الرغم من أن هذه التقنية توفر فرصة لتعزيز الأمن والأمان والكشف عن الجرائم، إلا أنها في المقابل تحمل بين طياتها مخاطر كبيرة تفرض على الشرطة البريطانية الاستخدام المسؤول لها.
اقرأ أيضاً: الذكاء الاصطناعي.. معالج نفسي لكن ضمن حدود المخاطر المحتملة