أعادت حادثة تلوث مياه الشرب في مقاطعة ديفون البريطانية إلى الواجهة قضية سلامة شبكات المياه ومدى التزام الشركات المشغلة بمعايير الرقابة والصيانة. فبعد إصابة مئات الأشخاص بأعراض مرضية نتيجة تلوث المياه بطفيلي ممرض، فرضت السلطات غرامة مالية كبيرة على شركة المياه المسؤولة، في قضية أثارت نقاشاً واسعاً حول مسؤولية شركات الخدمات الأساسية وأثر الإهمال على صحة السكان وثقتهم بالمرافق العامة.
تلوث واسع كشف ثغرات خطيرة في منظومة الرقابة
بدأت الأزمة عندما تعرضت منطقة بريكسهام في ديفون لتفشٍ لطفيلي “كريبتوسبوريديوم” خلال عام 2024، ما أدى إلى إصابة مئات المواطنين بأعراض صحية شملت الإسهال الحاد وآلام المعدة والدوار والتقيؤ، فيما احتاج عدد من المصابين إلى دخول المستشفيات لتلقي العلاج. التحقيقات أظهرت أن مصدر المشكلة يعود إلى خلل في أحد صمامات الهواء الموجودة ضمن شبكة المياه في منطقة زراعية تضم أبقاراً وأغناماً، حيث تبين أن الصمام كان مغطى بالطين وأن جزءاً من نظام الحماية فيه تعرض للتلف. كما كشفت التحقيقات أن الشركة لم تلتزم بعمليات التفتيش الدورية التي كانت قد وضعتها بنفسها، وأن بعض المواقع عالية الخطورة لم تخضع لأي فحص فعلي لسنوات طويلة، الأمر الذي سمح بحدوث التلوث وانتقال الطفيليات إلى مياه الشرب المستخدمة من قبل السكان.
اقرأ أيضاً: نصف تلوث الصرف الصحي سيختفي في 2030
تداعيات صحية ونفسية واقتصادية امتدت إلى المجتمع بأكمله
لم تقتصر آثار الحادثة على الجانب الصحي فقط، بل امتدت إلى مختلف جوانب الحياة اليومية في المنطقة. فقد أُجبرت آلاف الأسر على غلي المياه قبل استخدامها لفترات طويلة، كما تأثرت المدارس والخدمات العامة والأنشطة الاقتصادية المحلية. وروى العديد من السكان معاناتهم مع المرض وآثاره النفسية، إذ استمرت بعض الأعراض لدى عدد من المصابين لفترات طويلة، بينما أصيب أطفال بحالات خوف وقلق مرتبطة باستخدام المياه بعد الأزمة. كما سجلت المدارس تراجعاً في الحضور الدراسي وتأثر أداء بعض الطلاب خلال الامتحانات نتيجة المرض أو الظروف التي فرضتها الأزمة. وأكدت الجهات الرقابية أن الحادثة ألحقت ضرراً بالغاً بثقة المواطنين بمياه الشرب المحلية، وهي ثقة تُعد أساس العلاقة بين السكان ومقدمي الخدمات العامة.
الغرامة المالية ودروس الحادثة للمستقبل
أمام حجم الأضرار، أصدرت المحكمة البريطانية حكماً بتغريم شركة “ساوث ويست ووتر” مبلغ 1.85 مليون جنيه إسترليني بعد إقرارها بتهمة تزويد السكان بمياه غير صالحة للاستهلاك البشري. ورغم اعتذار الشركة وتحملها المسؤولية، اعتبرت الجهات الرقابية أن ما حدث يكشف الحاجة إلى تشديد إجراءات التفتيش والرقابة الوقائية على شبكات المياه، خصوصاً في المواقع المعرضة للمخاطر البيئية. وتؤكد هذه القضية أن الاستثمار في الصيانة الدورية وأنظمة المراقبة الحديثة لا يقل أهمية عن بناء البنية التحتية نفسها، فسلامة مياه الشرب ترتبط مباشرة بصحة المجتمع واستقراره. كما تشكل الحادثة رسالة واضحة لشركات الخدمات في مختلف دول العالم بأن أي تقصير في تطبيق معايير السلامة قد يؤدي إلى خسائر صحية واقتصادية كبيرة، فضلاً عن فقدان ثقة المواطنين التي يصعب استعادتها حتى بعد معالجة المشكلة.