تهديدات قضائية في مواجهة الصحافة: أين تقف حرية الإعلام في بريطانيا؟
تابعونا على:

اخترنا لكم

تهديدات قضائية في مواجهة الصحافة: أين تقف حرية الإعلام في بريطانيا؟

نشر

في

461 مشاهدة

تهديدات قضائية في مواجهة الصحافة: أين تقف حرية الإعلام في بريطانيا؟

وصل الخلاف بين نائب زعيم حزب «ريفورم يو كيه Reform UK» ريتشارد تايس Richard Tice وصحيفة «الغارديان The Guardian» إلى نقطة تتجاوز اعتراضاً سياسياً على تغطية صحفية. محامو تايس أبلغوا الصحيفة، بحسب ما نشرته في 11 أغسطس، أنهم يعتزمون طلب إفصاح عن وثائق يمكن أن تقود إلى معرفة مصادر استخدمتها في تحقيقات عن معاملات مالية أُحيلت إلى الوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة «NCA». تايس يقاضي الوكالة نفسها ويقول إن معلوماته المصرفية لا بد أنها خرجت من داخلها، بينما تقول الصحيفة إن لديها مصادر في القطاع المالي وستقاوم أي محاولة لكشفها.

لم تصدر محكمة حكماً يثبت أن طلب تايس غير مشروع أو أنه دعوى كيدية، كما أن من حق أي شخص اللجوء إلى القضاء إذا اعتقد أن بياناته السرية سُربت بصورة غير قانونية. في المقابل، تدخل محاولة الوصول إلى مصادر صحفية في منطقة محمية بقوة في القانون البريطاني والاجتهاد الأوروبي. التوتر بين الحقين يوضح أين تقف حرية الإعلام في بريطانيا اليوم، فالمشكلة ليست غياب الحماية القانونية بقدر ما هي كلفة الوصول إليها، والضرر الذي قد يحدث للتحقيق الصحفي قبل أن يفصل القاضي في الطلب.

حرية الإعلام في بريطانيا وحماية المصادر

ينص القسم العاشر من قانون ازدراء المحكمة لعام 1981 على أن المحكمة لا تطلب كشف مصدر معلومات منشورة، ولا تعاقب شخصاً على رفض الكشف، إلا إذا ثبت أن الإفصاح ضروري لمصلحة العدالة أو الأمن القومي أو لمنع الفوضى أو الجريمة. هذه حماية قوية، لكنها ليست حصانة مطلقة. المحكمة هي التي توازن بين الحاجة إلى المصدر والضرر الذي قد يلحق بحرية الصحافة.

دعمت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان هذا المبدأ في قضية «غودوين ضد المملكة المتحدة Goodwin v. United Kingdom» عام 1996، واعتبرت حماية المصادر الصحفية شرطاً أساسياً لحرية الصحافة، وأن أمر الكشف يحتاج إلى مبرر عام غالب. وفي قضية لاحقة رفعتها «فايننشال تايمز Financial Times» وصحف أخرى ضد بريطانيا، رأت المحكمة أن إجبار المؤسسات على تسليم وثائق قد تكشف مصدراً يخلق أثراً رادعاً يمكن أن يمنع المصادر من مساعدة الصحافة.

لهذا لا يكفي أن يرغب طرف في معرفة كيف حصلت صحيفة على المعلومة. يجب أن يقنع المحكمة بأن الاستثناء القانوني متحقق وأن الإجراء ضروري ومتناسب. وفي قضية تايس لم يحصل بعد هذا الاختبار القضائي. الرسالة القانونية تعبر عن نية طلب الإفصاح، والصحيفة أعلنت أنها ستعارضه. النتيجة ستعتمد على ما يطلبه المحامون بدقة، وعلى الأساس القانوني للقضية، وعلى تقدير المحكمة لمصلحة العدالة وحماية المصادر.

يملك تايس من جانبه مصلحة قانونية محتملة في معرفة ما إذا كانت جهة عامة قد سربت معلومات سرية تحتفظ بها. وقد أعلنت الوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة أن وحدة المعايير المهنية لديها تنظر في الشكاوى. الفصل بين مساءلة موظف عام عن تسريب غير مشروع وبين إجبار الصحفي على كشف مصدره مهم، لأن الدولة تستطيع التحقيق بوسائل أخرى، بينما قد يكون كشف المصدر إجراءً أشد أثراً على العمل الصحفي.

الدعاوى التي تبدأ قبل المحكمة

القضية تقع أيضاً داخل جدل أوسع بشأن الدعاوى الاستراتيجية ضد المشاركة العامة، المعروفة اختصاراً بـ«SLAPPs». هذه الدعاوى أو التهديدات تستخدم، وفق التعريف المتداول في المؤسسات البريطانية، كلفة التقاضي وضغطه لردع نشر معلومات ذات مصلحة عامة. لا يصح وصف كل دعوى ضد صحيفة بأنها SLAPP، فالسمعة والخصوصية وحقوق البيانات لها حماية قانونية، وقد تكون المطالبة مشروعة. التقييم يحتاج إلى سلوك المدعي وقوة الدعوى والتناسب بين الوسائل والهدف.

الحكومة البريطانية نفسها توصلت في بحث نشرته في يوليو 2026 إلى أن صحفيين ينظرون إلى SLAPPs بوصفها تهديداً منهجياً لحرية الصحافة. شمل البحث 531 إجابة صالحة في المسح، إلى جانب مقابلات نوعية، وسجل شكاوى من أن التهديد القانوني يترك أثراً مالياً ونفسياً ويؤثر في ما يقرر الصحفي متابعته أو نشره. وهذه النقطة تشرح لماذا لا تظهر المشكلة كاملة في إحصاء الأحكام القضائية، لأن بعض التحقيقات قد تتوقف عند الرسالة القانونية الأولى.

خطة الحكومة للإعلام المحلي كانت قد أقرت أيضاً بأن غرف الأخبار الصغيرة والصحفيين المستقلين أضعف قدرة على تحمل التهديدات المكلفة. واستندت إلى أدلة سابقة وجدت لغة عدوانية أو ترهيبية في بعض مراسلات ما قبل الدعوى، أحياناً بعد مجرد طلب الصحفي تعليقاً أو تحققاً من الوقائع. المؤسسة الكبيرة تستطيع توظيف محامين والدفاع عن تحقيق لسنوات، بينما قد يحذف موقع محلي قصة صحيحة لأن كلفة إثباتها أعلى من موارده.

هذه الفجوة في الموارد جزء من أثر الردع. حتى الصحفي الذي يملك دفاعاً جيداً قد يواجه وقتاً وكلفة وتأميناً قانونياً ومخاطر دفع مصروفات الطرف الآخر. عندما يكون المدعي ثرياً أو مؤسسة كبيرة، يصبح عدم التكافؤ نفسه أداة ضغط. إصلاح القانون لا يعني منع أصحاب الحقوق من التقاضي، بل إيجاد طريقة تسمح للمحكمة بفرز الدعاوى المسيئة مبكراً قبل أن تحقق كلفتها الهدف الذي جاءت من أجله.

حماية موجودة وثغرة باقية

اتخذت بريطانيا خطوة بهذا الاتجاه في قانون الجريمة الاقتصادية وشفافية الشركات لعام 2023. دخلت المادتان 194 و195 المتعلقتان بـSLAPPs حيز التنفيذ في يونيو 2025، وأنشأتا تعريفاً قانونياً وآلية تسمح بإنهاء بعض الدعاوى مبكراً مع حماية المدعى عليهم من الكلفة. لكن النظام الحالي مقيد بالدعاوى المرتبطة بالمصلحة العامة في مكافحة الجرائم الاقتصادية. إذا كانت القضية عن موضوع آخر، لا تعمل الحماية الخاصة بالطريقة نفسها.

مكتبة مجلس العموم سجلت في يوليو 2026 استمرار الضغط لتوسيع القانون. مشروع خاص سابق لم يكمل مساره قبل انتهاء الدورة البرلمانية، وهناك محاولات تشريعية جديدة في مجلسي العموم واللوردات. كما حُددت مناقشة برلمانية في سبتمبر بشأن أثر هذه الدعاوى. الخلاف لا يدور حول إلغاء قانون التشهير أو حقوق الخصوصية، بل حول وضع اختبار مبكر يميز المطالبة العادية من الدعوى التي تستخدم الإجراءات لإرهاق التعبير العام.

تقدم مؤشرات حرية الصحافة صورة مركبة. وضعت «مراسلون بلا حدود RSF» المملكة المتحدة في المرتبة 18 من 180 دولة في مؤشر 2026، متقدمة من المرتبة 20 في 2025. هذه مرتبة قوية عالمياً، لكن المؤشر وضع المكون القانوني عند المرتبة 36، وأشار إلى الدعاوى الهادفة إلى إسكات صحفيين وكلفة قضايا التشهير، إضافة إلى ضغوط اقتصادية وأمنية على العاملين في الإعلام. وجود مشكلات في بلد يتمتع بصحافة حرة نسبياً لا يلغي قوة مؤسساته، لكنه يبين أن الحماية ليست تلقائية.

قضية تايس تختبر واحداً من أقوى عناصر تلك الحماية، سرية المصادر. إذا وصل طلب الإفصاح إلى المحكمة، سيكون عليها تطبيق معيار الضرورة والتناسب ضمن القانون البريطاني والمبادئ التي أرستها المحكمة الأوروبية. لا يمكن معرفة الحكم مسبقاً، ولا يجوز تحويل الخلاف السياسي مع «ريفورم» إلى حكم قانوني على دعوى لم تُفصل. لكن مجرد وصول النقاش إلى هوية المصادر يبرر اهتمام مؤسسات حرية الصحافة، لأن النتيجة قد تؤثر في استعداد موظفين ومصرفيين وغيرهم للتحدث مع الصحفيين مستقبلاً.

المعيار الأفضل لحرية الإعلام لا يقيس عدد القضايا التي تكسبها الصحف فقط. البيئة الحرة تسمح للصحفي بالتحقق والسؤال والنشر من دون أن تصبح كلفة الدفاع عقوبة مستقلة، وتسمح في الوقت نفسه للأشخاص المتضررين من نشر خاطئ بالحصول على إنصاف. بريطانيا تملك قواعد قوية لحماية المصادر ومحاكم مستقلة ودفاعات في قانون التشهير، لكنها ما زالت تعالج فجوة الدعاوى المسيئة خارج نطاق الجريمة الاقتصادية.

ما ستكشفه المرحلة المقبلة يتجاوز النزاع الحالي. إذا وسع البرلمان آليات الفرز المبكر والكلفة، وحافظت المحاكم على العتبة العالية لكشف المصادر، يمكن أن تتراجع قدرة الرسائل القانونية على إيقاف تحقيق قبل نشره. وإذا بقيت الحماية الخاصة محصورة في نوع ضيق من القضايا، ستظل الصحافة الكبيرة أقدر على تحمل المواجهة من الصحفي المستقل أو الموقع المحلي. حرية الإعلام في بريطانيا موجودة بقوة في القانون، لكن اختبارها اليوم يقع في القدرة العملية على استخدام هذه الحماية من دون أن تصبح كلفتها سبباً للصمت.

اقرأ أيضاً: المعلقون الرياضيون العرب يشغلون وسائل الإعلام الغربي!

2000 رحلة تختفي من الجداول.. عطل واحد يشل سماء بريطانيا
سياسة3 ساعات منذ

2000 رحلة تختفي من الجداول.. عطل واحد يشل سماء بريطانيا

ما علاقة الذكاء الاصطناعي بالديلفري في بريطانيا؟
علوم وتكنولوجيا4 ساعات منذ

ما علاقة الذكاء الاصطناعي بالديلفري في بريطانيا؟

داسيا تدخل السوق الأوروبية بسيارة سبرينغ الكهربائية وبسعر مفاجئ!
مال وأعماليوم واحد منذ

داسيا تدخل السوق الأوروبية بسيارة سبرينغ الكهربائية وبسعر مفاجئ!

قنصلية تُغلق بسبب بضائع.. العلاقات البريطانية الإسرائيلية تدخل مستوى جديداً من التصعيد
سياسةيوم واحد منذ

قنصلية تُغلق بسبب بضائع.. العلاقات البريطانية الإسرائيلية تدخل مستوى جديداً من التصعيد

هاري كين وهالاند وميسي في سباق الكرة الذهبية 2026
رياضةيوم واحد منذ

هاري كين وهالاند وميسي في سباق الكرة الذهبية 2026

اقتطاع ديون الإعانات من الحسابات وحظر القيادة يبدأ في أكتوبر 2026
مال وأعماليومين منذ

اقتطاع ديون الإعانات من الحسابات وحظر القيادة يبدأ في أكتوبر 2026

أرسنال يبدأ رحلة الدفاع عن اللقب بأفضل صورة
رياضةيومين منذ

أرسنال يبدأ رحلة الدفاع عن اللقب بأفضل صورة

الفراولة والطماطم المعدلة جينياً تقترب من المتاجر البريطانية.. ما تأثيراتها؟
أخبار لندن3 أيام منذ

الفراولة والطماطم المعدلة جينياً تقترب من المتاجر البريطانية.. ما تأثيراتها؟

بريطانيا تغيّر طريقة حساب جدوى المشاريع.. تعديل تقني قد يفتح مليارات للبنية التحتية
مال وأعمال3 أيام منذ

بريطانيا تغيّر طريقة حساب جدوى المشاريع.. تعديل تقني قد يفتح مليارات للبنية التحتية

مليون شاب خارج الدراسة والعمل.. ماذا عن الجيل العالق بين المدرسة والسوق؟
سياسة3 أيام منذ

مليون شاب خارج الدراسة والعمل.. ماذا عن الجيل العالق بين المدرسة والسوق؟
















X