اخترنا لكم
تيك توك في قبضة واشنطن: كيف أعادت أمريكا رسم مستقبل التطبيق؟
نشر
منذ 7 أشهرفي
1٬256 مشاهدة
By
Halla Yosef
تغيرت عناوين الحروب الحالية من العنوان العسكري إلى العنوان التكنولوجي، إذ يبدو أن حرب الثقافات والسيطرة الإعلامية هي الأهم في العصر الراهن. وهذا يظهر جلياً بين أكبر اقتصادين في العالم ” الصين والولايات المتحدة الأمريكية”. فبعد أكثر من خمس سنوات من الجدل السياسي والأمني، وصلت المواجهة بين الولايات المتحدة وتطبيق تيك توك TikTok إلى إتمام صفقة أعادت رسم خريطة ملكية وتشغيل التطبيق داخل السوق الأمريكية.
صفقة تيك توك والولايات المتحدة الأمريكية
أصبح تطبيق تيك توك في الولايات المتحدة بموجب الصفقة الموقعة، خاضعاً لكيان جديد يحمل اسم TikTok USDS Joint Venture LLC، وهو مشروع مشترك يديره مجلس إدارة مكون من سبعة أعضاء أغلبيتهم من الأمريكيين، مع مشاركة الرئيس التنفيذي شو زي تشيو Shu Zi Chiu، بينما احتفظت الشركة المالكة الصينية ByteDance بحصة أقلية لا تتجاوز 19.9%.
تمثل هذه الخطوة تنازلاً كبيراً من جانب ByteDance، إذ فقدت السيطرة المباشرة على أحد أهم أصولها خارج الصين، مقابل الحفاظ على وجود التطبيق في سوق يضم نحو 200 مليون مستخدم أمريكي وقرابة 7.5 مليون شركة. كما تنص الصفقة على ترخيص خوارزمية التوصية بالمحتوى “القلب النابض لتجربة تيك توك” للكيان الأمريكي الجديد، في اتفاق قدرت قيمته بنحو 14 مليار دولار، بدلاً من نقل ملكيتها أو استمرار تشغيلها مباشرة من قبل الشركة الأم.
تلعب شركة Oracle التي يرأسها لاري إليسون Larry Ellison حليف ترامب دوراً محورياً، إذ تتولى الإشراف على بيانات المستخدمين الأمريكيين ضمن ما يعرف “بمشروع تكساس”، حيث تخزن البيانات داخل بنية تحتية تكنولوجية أمريكية آمنة. ولم يعد دور Oracle مقتصراً على التخزين فقط، بل يشمل أيضاً تأمين أجزاء إضافية من التطبيق، والمشاركة في إعادة تدريب وتحديث الخوارزمية اعتماداً على بيانات المستخدمين داخل الولايات المتحدة، في محاولة لمعالجة المخاوف المتعلقة بإمكانية وصول الحكومة الصينية إلى تلك البيانات أو التأثير على المحتوى.
تجربة المستخدم والخوارزمية بين الاستمرارية والانعزال الجزئي
تسعى تيك توك إلى طمأنة المستخدمين بأن تجربتهم اليومية لن تتغير بشكل مفاجئ نتيجة التغييرات الكبيرة في الجانب القانوني والتقني. فغالباً لن يطلب من المستخدمين تنزيل تطبيق جديد، إذ تدرك الشركة أن أي اضطراب واسع قد يؤدي إلى فقدان المستخدمين والمعلنين، خاصة في ظل المنافسة المتزايدة من منصات مثل إنستغرام وميزة Reels التابعة لشركة Meta.
مع ذلك فإن إعادة تدريب الخوارزمية على بيانات أمريكية فقط تشكل تحولاً كبيراً قد تكون له آثار تدريجية على طبيعة المحتوى المعروض. فقد يؤدي هذا النهج إلى ضعف نسبي في مستوى التخصيص، أو إلى ظهور محتوى متكرر أو أقل تنوعاً خلال المراحل الأولى، إضافة إلى تفاوت مؤقت في نسب الوصول والانتشار. ويرى خبراء أن هذه التغييرات إن حدثت، ستكون دقيقة وبطيئة، لأن تيك توك يدرك أن خوارزميته هي أساس تفوقه التنافسي، ولن يقدم على المساس بها إلا في حدود ضيقة.
أما على مستوى المحتوى العالمي، فمن المتوقع أن يبقى متاحاً للمستخدمين الأمريكيين، لكن مع تراجع نسبي لتأثير الإشارات العالمية التي كانت تغذي صفحة “لك” في السابق. فالفصل الجزئي للبيانات قد يقلل من قدرة الخوارزمية على الاستفادة من التفاعل العالمي واسع النطاق، ما قد يؤدي بمرور الوقت إلى طغيان المحتوى المحلي على الدولي، دون أن يعني ذلك اختفاء العالم من تيك توك الأمريكي.
التأثيرات الاقتصادية والحرب الإعلامية بين الصين والولايات المتحدة
لا تقتصر تداعيات الصفقة على الجوانب التقنية والاقتصادية فقط، بل تمتد إلى ساحة أوسع تتمثل في الحرب الإعلامية والثقافية بين الولايات المتحدة والصين. فلا تنظر واشنطن إلى تيك توك على أنه مجرد تطبيق ترفيهي، بل كمنصة قادرة على تشكيل الرأي العام والتأثير في الثقافة الشعبية الأمريكية، وهو ما أثار قلقاً متزايداً لدى صناع القرار، خاصة في ظل التوتر الجيوسياسي المتصاعد مع بكين.
يرى محللون أن الحرب حول “أمن البيانات” يخفي في جوهره صراعاً أعمق حول من يملك السيطرة على تدفق المعلومات والسرديات الثقافية داخل المجتمع الأمريكي. فتيك توك بخوارزميته شديدة التأثير، أصبح أحد أبرز أدوات تشكيل الذوق العام، وصعوده السريع يعتبر لدى بعض الدوائر السياسية تهديداً للهيمنة الإعلامية والتكنولوجية الأمريكية. في المقابل تنظر الصين إلى الصفقة على أنها تسوية تسمح لها بتصدير تكنولوجيا متقدمة بشروطها الخاصة، والحفاظ على موطئ قدم لها في سوق مهم جداً، مع استخدام الملف كورقة تفاوض في سياق أوسع من العلاقات التجارية والسياسية.
ومن ناحية أخرى، قد يواجه المعلنون وصناع المحتوى الأمريكيون فترة من القلق، إذ قد يؤدي تراجع الانتشار العالمي للمحتوى إلى انخفاض التفاعل، مما يجبر العلامات التجارية على إعادة صياغة استراتيجياتها وربما زيادة الإنفاق للوصول إلى الجمهور الأمريكي. وتقدر إيرادات تيك توك العالمية في عام 2024 بما بين 20 و26 مليار دولار، منها نحو 10 مليارات دولار من الولايات المتحدة، مما يجعل أي تغيير في هذا السوق له أثر مباشر، بالرغم من احتفاظ ByteDance بحصة من الأرباح عبر ملكيتها الجزئية.
اقرأ أيضاً: حظر السوشيال ميديا: الحكومة البريطانية تبدّل موقفها والبدائل على الطاولة
ماذا عن تطبيقي CapCut وLemon؟
يعد تطبيقا CapCut وLemon من أبرز التطبيقات الأخرى المملوكة لشركة ByteDance، ويستخدمهما عدد كبير من المستخدمين في الولايات المتحدة. سابقاً لم يكن واضحاً ما إذا كان القانون الذي هدد بحظر أو بيع تطبيق TikTok سيشمل هذه التطبيقات أيضاً.
ومع دخول الحظر المؤقت على TikTok حيز التنفيذ لفترة وجيزة في يناير 2025، توقف كل من CapCut وLemon عن العمل في الولايات المتحدة في الوقت نفسه، ما زاد من حالة الغموض حول مستقبلهما. إلا أن هذا القلق تراجع فيما بعد، بعدما أكدت TikTok أن الضمانات التي يوفرها المشروع المشترك الجديد ستشمل أيضاً CapCut وLemon، إلى جانب مجموعة من التطبيقات والمواقع الإلكترونية الأخرى التابعة للشركة داخل الولايات المتحدة، مما يجعل استمرارهما في السوق الأمريكية قابلاً للتطبيق.
يعد TikTok اليوم أحد أكثر التطبيقات انتشاراً في العالم، إذ يستخدمه شخص واحد من كل سبعة أشخاص عالمياً، إلا أن السنوات الأخيرة كانت مليئة بالتقلبات بالنسبة لشركة ByteDance. فقد بدأت المخاوف الأمريكية بشأن التطبيق قبل أكثر من خمس سنوات، عندما وقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب Donald Trump في ولايته الأولى أمراً تنفيذياً يستهدف إزالته من المتاجر الأمريكية، وسط قلق متزايد من إمكانية وصول الحكومة الصينية إلى بيانات نحو 200 مليون مستخدم أمريكي، أو التأثير على المحتوى المعروض لهم.
ولمواجهة هذه المخاوف، أطلقت ByteDance مشروع تكساس، الذي ينص على تخزين بيانات المستخدمين الأمريكيين على خوادم محلية تديرها شركة Oracle، كما نقلت جزءاً من عملياتها ومقارها إلى سنغافورة ولوس أنجلوس في محاولة لإبعاد نفسها عن جذورها الصينية. ورغم اعتبار هذه الخطوات تنازلات كبيرة في حينه، فإن الكونغرس الأمريكي أصدر في عام 2024 قانوناً شديداً يهدد بحظر التطبيق بالكامل ما لم يتم نقل ملكية الأغلبية وتغيير طريقة عمله داخل الولايات المتحدة.
تشير هذه الصفقة إلى نموذج جديد في تعامل الحكومة الأمريكية مع شركات التكنولوجيا الصينية. قائم على التوازن بين الحرية والإقصاء، فلا يكون هناك إقصاء كامل كما حدث مع هواوي التي أُقصيت تماماً في الأسواق الغربية، ولا حرية مطلقة. بمعنى السماح لها بالعمل ضمن حدود سياسية وتنظيمية صارمة. وقد يتحول هذا الاتفاق أو الأسلوب في التعامل مثالاً يحتذى به في أسواق أخرى تشهد توترات تكتولوجية وسياسية واقتصادية.
والجدير بالذكر أن شركة ByteDance سبق لها أن واجهت تحديات مشابهة في الهند عام 2020، حين فرض حظر شامل على TikTok وتطبيقات صينية أخرى بسبب توترات جيوسياسية، ورغم خسارة أكبر أسواقها آنذاك، واصلت الشركة النمو عالمياً.
باختصار، تعد معارك التكنولوجيا نوعاً من الحروب الناعمة، فالقوة الآن لمن يسيطر على الرأي العام، ويصبغ المجتمعات الأخرى بصبغته. ومن خلال الخوارزميات تنبع أخطر المعلونات المهددة للأمن القومي لأي دولة، ربما هذا ما يفسر جزءاً من تخوفات الولايات المتحدة الأمريكية من تيك توك.
اقرأ أيضاً: تيك توك وبريطانيا.. كسر النقابات يطارد مشرفي المحتوى!
كل ما تحتاج معرفته عن التسجيل والقبول في المدارس في بريطانيا
ملايين أُهدرت مع نجوم خذلوا التوقعات.. أسوأ 8 صفقات في تاريخ مانشستر يونايتد
حظر حفلات الشواء: إجراء وقائي أم تشتيت عن أزمة الحرائق؟
اتفاقية بين «IIG» و«Fronds» لتسويق مشروع سكني في أبها
الذكاء الاصطناعي لا يتحمل المسؤولية القانونية.. فمن يدفع ثمن أخطائه؟
عجز اسكتلندا ينخفض.. والجدل حول الاستقلال يشتعل: ماذا تقول الأرقام؟
تهديدات قضائية في مواجهة الصحافة: أين تقف حرية الإعلام في بريطانيا؟
أعمال بانكسي تكلف بريطانيا 150 ألف جنيه إسترليني.. الفن أم التخريب؟
حرائق الغابات تتمدد مع موجات الحر.. فرق الإطفاء أمام صيف استثنائي
