ثورة لقاح الإنفلونزا: سباق العلم لحماية أوسع وأكثر ديمومة
تابعونا على:

منوعات

ثورة لقاح الإنفلونزا: سباق العلم لحماية أوسع وأكثر ديمومة

نشر

في

704 مشاهدة

ثورة لقاح الإنفلونزا: سباق العلم لحماية أوسع وأكثر ديمومة

تشكل الإنفلونزا أحد الأمراض الأكثر شيوعاً في العالم، إذ يصاب نحو مليار شخص حول العالم بالإنفلونزا كل عام. مما يعرض صحة الإنسان وأحياناً حياته للخطر. فحمى المفاجئة، والإرهاق الشديد، والصداع والسعال قد يجعلان الشخص حبيس الفراش لأسبوع أو أكثر. وفي الحالات الشديدة، تتسبب الإنفلونزا في وفاة ما بين 290 ألف و650 ألف شخص سنوياً حول العالم.

أسباب الإصابة وتكرارها في الموسم الواحد، جعلاها حديث الأطباء السنوي. فعلى الرغم من توفر اللقاحات الموسمية، إلا أنها تحتاج إلى تحديث سنوي. ويعود السبب في ذلك إلى أن فيروس الإنفلونزا يتغير باستمرار، ويبدل ملامحه ليتهرب من جهاز المناعة. لذلك يوصي الخبراء بالحصول على اللقاح كل عام، إذ تتراوح فعاليته عادةً بين 40% و60% في أفضل المواسم، وقد تنخفض إذا لم يكن مطابقاً بشكل جيد لنوع السلالات المنتشرة.

لذلك يعمل علماء حول العالم على أهداف كبيرة قائمة على تطوير لقاح يمنح حماية أوسع وطويلة المدى، مما يخفف من الحاجة إلى التطعيم السنوي.

يوجد حالياً نحو اثني عشر لقاحاً مرشحاً للإنفلونزا الشاملة تخضع للتجارب السريرية، إلا أن معظمها ما يزال في مراحل مبكرة من التطوير. ووفقاً لبيانات مبادرة “الجيل التالي” المتخصصة في متابعة تطوير لقاحات الإنفلونزا، فإن العمل جارٍ على أكثر من مسار بحثي في هذا المجال، مع تفاوت في درجة التقدم بين مشروع وآخر.

وتقول جولي أوستروفسكي Julie Ostrovsky، الباحثة في مركز أبحاث وسياسات الأمراض المعدية التابع لجامعة مينيسوتا Minnesota، والتي تساهم في مشروع تتبع هذه اللقاحات: “إنها مجموعة مشاريع رائعة حقاً”. لكنها تشير في الوقت نفسه إلى أن تطوير لقاح شامل ليس مهمة سهلة، مضيفةً أن الأمر معقد ويتطلب وقتاً طويلاً، ولن يتحقق بين ليلة وضحاها.

الإنفلونزا.. عدو دائم التغير

بحسب الدراسات لا تعد الإنفلونزا مرضاً واحداً، بل مجموعة من الفيروسات التي تصيب البشر والحيوانات، وتتطور باستمرار. هذا التنوع يجعل من معالجتها بشطل جذري أمر صعب. إذ يوجد على سطح الفيروس بروتينات رئيسية، أبرزها الهيماغلوتينين والنيورامينيداز. حيث يتعرف جهاز المناعة على هذين البروتينين ويقوم بإنتاج أجساماً مضادة لمهاجمتهما. لكن المشكلة أن هذين البروتينين يتغيران باستمرار.

تحمل الإنفلونزا 18 نوعاً معروفاً من الهيماغلوتينين و11 نوعاً من النيورامينيداز، ويمكن أن تتحد بطرق مختلفة لتكوين سلالات فرعية مثل H1N1 وH3N2. ومع تراكم الطفرات الجينية بمرور الوقت، تظهر سلالات جديدة تجعل مناعة الجسم أقل فاعلية.

لهذا السبب تجتمع فرق خبراء تابعة لمنظمة الصحة العالمية مرتين سنوياً لتحليل كمٍّ هائل من البيانات حول انتشار الفيروسات عالمياً، وتحديد السلالات التي يُرجح أن تنتشر في الموسم التالي، سواء في نصف الكرة الشمالي أو الجنوبي. ومع ذلك، قد تظهر سلالات مفاجئة بعد صدور التوصيات، مما يقلل من دقة التوقعات أحياناً.

نحو لقاح أكثر شمولاً

يتجه بعض الباحثين إلى تغيير استراتيجية معالجة المرض فبدلاً من مطاردة التغيرات المستمرة، لماذا لا يتم توجيه جهاز المناعة نحو الأجزاء الثابتة من الفيروس، تلك التي لا تتغير كثيراً؟

يشبه بعض العلماء بروتين الهيماغلوتينين بقطعة آيس كريم مخروطية الشكل: الجزء العلوي يتغير بسهولة، أما القاعدة فتبقى أكثر ثباتاً. ووفق آلية عمل اللقاحات التقليدية، يتم استهداف الجزء العلوي المتغير، بينما تحاول اللقاحات الجديدة تدريب المناعة على استهداف القاعدة الثابتة.

في كلية إيكان للطب في جبل سيناء بنيويورك، يعمل فريق بحثي على تصميم لقاح يعتمد هذه الفكرة، وقد أظهرت تجارب أولية نتائج مشجعة في تحفيز استجابة مناعية واسعة. وهناك نهج آخر يتم تطويره في جامعة ديوك يعتمد على تعريض الجهاز المناعي لآلاف الأشكال المختلفة من الهيماغلوتينين دفعة واحدة، لدفعه إلى التركيز تلقائياً على الأجزاء المشتركة والثابتة بينها.

كما كشف باحثون في جامعة ستانفورد عن تجربة لرذاذ أنفي يحفز خلايا مناعية في الرئتين تعرف بالبلاعم، مما يبقيها في حالة تأهب ضد مسببات الأمراض التنفسية. وقد أظهرت تجارب على الحيوانات انخفاضاً كبيراً في أعداد الفيروسات، لكن هذه التقنية لا تزال في مراحلها المبكرة.

إلى جانب ذلك، يعمل علماء على تحفيز استجابة أقوى ضد بروتين النيورامينيداز الأقل تغيراً، أو على تعزيز دور الخلايا التائية، التي تستطيع التعرف على الخلايا المصابة وقتلها بغض النظر عن السلالة.

والهدف من جميع تلك الدراسات هو التوصل إلى لقاح يمنح حماية واسعة ضد فيروسات الإنفلونزا من النوعين A وB، سواء كانت موسمية أو حتى ذات منشأ حيواني قد تسبب جائحة مستقبلاً، كما حدث في جائحة H1N1 عام 2009.

تحسين اللقاحات الحالية بالذكاء الاصطناعي

تستمر دراسات الأبحاث بتطوير اللقاحات الموسمية لحين التوصل إلى الهدف الذي سبق وتحدثنا عنه. فقد تمت الموافقة على جرعات عالية الفعالية لكبار السن، تحتوي على كمية أكبر من الهيماغلوتينين لتعويض ضعف المناعة المرتبط بالعمر.

كما دخل الذكاء الاصطناعي على الخط. ففي معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، طور باحثون نموذجاً يحلل بيانات ضخمة عن تطور فيروسات الإنفلونزا، بهدف تحسين اختيار سلالات اللقاح الموسمي. والجدير بالذكر أن الهدف من هذه النماذج ليس استبدال الخبراء، بل دعم قراراتهم بأدوات تحليل أكثر دقة.

طورت ريجينا بارزيلاي Regina Barzilai، أستاذة الذكاء الاصطناعي والصحة في معهد ماساتشوستس Massachusetts للتكنولوجيا، نظاماً يعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحليل كميات ضخمة من بيانات فيروسات الإنفلونزا المنتشرة حول العالم. ويهدف هذا النظام إلى اختيار السلالات الأنسب لإدراجها في اللقاحات الموسمية المقبلة.

تعمل هذه التقنية بطريقة مشابهة للآلية التي يتبعها خبراء منظمة الصحة العالمية عند تحديد تركيبة لقاح الإنفلونزا كل عام، لكنها تتميز بقدرة تحليلية أكبر وسرعة في معالجة البيانات. ووفقاً لورقة بحثية نشرت عام 2025، أظهر النموذج نتائج قد تتفوق في دقتها على بعض التوصيات التقليدية، ما يجعله أداة مساعدة واعدة لدعم قرارات الصحة العامة.

في النهاية، لا يزال الأطباء والخبراء يعملون من أجل التوصل إلى لقاح شامل يأخذه الإنسان مرة واحدة وتدوم فعاليته لأكثر من سنة. وعلى الرغم من أن الهدف بعيد نوعاً ما، إلا أن المعلومات تشير إلى وجود تقدم قد تظهر نتائجه خلال السنوات القادمة. وحتى يتم اكتشاف اللقاح المستهدف، فإن اللقاح السنوي يبقى أفضل وسيلة لمعالجة الإنفلونزا حالياً.

اقرأ أيضاً: فيروس نيباه: قاتل بلا لقاح .. تعرف على أسبابه وسبل الوقاية منه
















X