جنون البطالة .. هذا ما يجب على الحكومة البريطانية فعله!
تابعونا على:

العمل

جنون البطالة .. هذا ما يجب على الحكومة البريطانية فعله!

نشر

في

1٬130 مشاهدة

جنون البطالة .. هذا ما يجب على الحكومة البريطانية فعله!

في ظل الأرقام الرسمية التي تشير إلى ارتفاع معدلات البطالة وانخفاض الوظائف الشاغرة في بريطانيا، يتضح أن التركيز على التوظيف وحده لم يعد كافياً. فمع تسارع وتيرة التحولات التكنولوجية وانتشار الذكاء الاصطناعي الذي يعيد تشكيل سوق العمل، باتت ضرورة الاحتفاظ بالموظفين الحاليين وتطوير مهاراتهم أولوية قصوى.

في هذا المقال سوف نستعرض الأزمة الحالية، ونناقش قضية أن مستقبل القوى العاملة لا يكمن في مجرد زيادة الأرقام، بل في استثمار حقيقي ومستدام في قدرات الموظفين وتزويدهم بمسارات واضحة للنجاح المهني.

الأرقام تناقض الأهداف

كشفت البيانات الصادرة عن مكتب الإحصاءات الوطنية في بريطانيا صورة معاكسة لما تضمنته الورقة البيضاء الحكومية “تشغيل بريطانيا”، التي صدرت في تشرين الثاني 2024، حيث بلغ معدل البطالة 4.7%، وهو أعلى مستوى له في أربع سنوات، بينما انخفضت الوظائف الشاغرة إلى أدنى مستوى منذ نيسان 2021.

ويُشار إلى أن هذه الأرقام، بالإضافة إلى توجه معظم الشركات نحو الأتمتة، إلى أن التركيز على توظيف أشخاص جدد فقط لم يعد كافياً في المرحلة الحالية، حيث بات من الضروري للموظفين الحاليين تطوير مهاراتهم باستمرار لمواكبة المتطلبات المتغيرة.

وبدلاً من التركيز على الأهداف الطموحة التي حدتها الورقة البيضاء الحكومية “تشغيل بريطانيا”، التي صدرت في نوفمبر 2024، في مجال التوظيف وتطوير المهارات، يجب أن تكون الأولوية الحالية هي كيفية الحفاظ على استمرار عمل بريطانيا، وما يتطلبه ذلك من تزويد الموظفين بمسارات واضحة للنجاح في ظل الاضطرابات الاقتصادية والتكنولوجية الناتجة عن انتشار الذكاء الاصطناعي.

أهمية الاحتفاظ بالموظفين

التركيز على التوظيف كأرقام مجردة غالباً ما يؤدي إلى ارتفاع معدل دوران الموظفين، دون تحقيق الاستقرار أو الرضا أو المهارات اللازمة من أجل الاحتفاظ بالموظفين على المدى الطويل.

وبالنسبة لأصحاب العمل، يعتبر هذا الأمر مكلفاً جداً، حيث أنه وفقاً لمعهد تشارترد للأفراد والتنمية (CIPD)، قد تصل تكلفة استبدال موظف واحد إلى 30,000 جنيه إسترليني. لذا، فإنه في سوق العمل الحالي، حيث لا يمكن للشركات تحمل خسارة المواهب، فإن الاحتفاظ بالموظفين لم يعد مجرد خيار جيد، بل هو ضرورة قصوى للنمو.

واقع الموظفين في ظل انتشار الذكاء الاصطناعي

عندما يجد الموظف مساراً واضحاً لتقدمه في عمله، فإنه بذلك يمتلك الحافز لمواصلة العمل، وعلى العكس من ذلك فإنه يترك عمله عندما يشعر أنه غير مستعد للتغيرات التي تفرضها التحولات.

ويُشار إلى أن وتيرة هذا التحدي تزداد مع التقدم السريع للذكاء الاصطناعي، الذي يعيد تشكيل الوظائف بشكل أسرع من أي وقت مضى. حيث قدر تقرير حديث للمنتدى الاقتصادي العالمي أن ثلثي العمال سيحتاجون إلى إعادة تأهيل بحلول عام 2030. وبالتالي إذا لم تغير المؤسسات من نهجها التدريبي لمساعدة الموظفين على التكيف، فإنها تخاطر بفقدان المواهب والتخلف عن الركب. لذا، فإن تطوير المهارات الفردية هو مفتاح للحفاظ على تفاعل الموظفين وتحسين أدائهم.

دور قادة الموارد البشرية في التطوير

يجب ألا تقع مسؤولية حل مشكلة الاحتفاظ بالموظفين على عاتق الحكومة وحدها، إنما يجب أيضاً على أصحاب العمل، خاصة قادة الموارد البشرية، العمل على مواجهة هذه المشكلة. حيث يتخلص دورهم في ثلاثة نقاط رئيسية:

1. إنشاء مسارات تعليمية مخصصة

من أجل مساعدة الموظفين على النجاح في بيئة العمل سريعة التطور، يجب دعمهم بخطط تطوير مصممة خصيصاً تراعي مهاراتهم الحالية وطموحاتهم المهنية. وذلك من خلال الإرشاد الفردي، أو التعلم النمطي. كما أن استخدام الذكاء الاصطناعي، على الرغم من أنه أصل المشكلة، يمكن أن يساعد في رسم مسارات مخصصة لتطوير الموظفين بناءً على متطلبات العمل، دون إهدار الوقت.

2. دمج التعلم بشكل طبيعي في سير العمل

تبدو استراتيجيات التعلم والتطوير التي تعتمد على جلسات تدريبية طويلة ومنفصلة عن المهام اليومية غير عملية. لذا، فإن دمج فرص تعلم قصيرة ومفيدة مباشرة في سير العمل اليومي، يجعل التطوير أكثر سهولة واستدامة.

3. ربط المهارات بالتقدم الوظيفي

غالباً لا يمتلك الموظفون مهارة إسقاط ما تعلموه على واقع العمل الذي يقومون به. حيث كشف تقرير اتجاهات مشاركة الموظفين لعام 2025 الصادر عن شركة ماكلين وشركاه “McLean & Company’s” أن 61% من الموظفين يقولون إن مؤسساتهم توفر برامج كافية لتطوير المهارات، ولكن هذا لم يوفر فرص للترقية والنمو الداخلي.

ولذلك، يجب وضع تعليمات واضحة تربط اكتساب المهارات بالتقدم الملموس للموظف، سواء كان ذلك من خلال زيادات في الرواتب، أو ترقيات، أو فرص للمشاركة في مشاريع جديدة. الأمر الذي من شأنه أن يُقدم رسالة بأن تطوير المهارات يؤدي إلى النمو وأن المؤسسة تستثمر في رحلة الموظفين المهنية.

دور المدير كمدرب وموجه

بينما تقع مسؤولية وضع إطار العمل على عاتق إدارات الموارد البشرية والتعلم والتطوير، فإن قادة الشركات والمؤسسات لهم الدور الأكبر في عملية الاحتفاظ بالموظفين. حيث يجب أن يكون القادة مؤهلين للعمل ليس فقط كمشرفين على المهام، بل كمدربين يعملون على تنمية المهارات والمسارات المهنية لموظفيهم. وهذا الأمر يتطلب المزيد من الحوارات التطويرية المنتظمة التي تركز على فرص التعلم والتطوير، وعلى إدارات الموارد البشرية أن تجهز القادة للقيام بهذه المهمة.

مسؤولية مشتركة لضمان مستقبل القوى العاملة

تركز فكرة “تشغيل بريطانيا” على مستويات التوظيف، وهذا مهم، ولكن للحصول على سوق عمل أقوى، يجب تغيير عقلية تفكير المؤسسات والشركات. حيث أنه مع الازدياد الكبير في تبني الذكاء الاصطناعي، يجب على المؤسسات التي تريد الاستمرار أن تعمل على الاحتفاظ بالموظفين وتطوير مهاراتهم، وذلك من خلال تزويد الموظفين بمسارات تعلم فريدة ومخصصة، بهدف سد فجوة المهارات الرقمية التي تتزايد بوتيرة سريعة.

اقرأ أيضاً: بريطانيا: ارتفاع البطالة وتراجع فرص التوظيف يعززان احتمالات خفض الفائدة

في الختام، إن مجابهة التغيرات المتسارعة في سوق العمل تتطلب نهجاً جديداً يركز على الاستثمار في الموظفين الحاليين، والمسؤولية في هذا المجال لا تقتصر الحكومات، بل تقع أيضاً على عاتق القادة في المؤسسات. فمن خلال بناء مسارات واضحة للتعلم والتطوير، يمكن ضمان استدامة القوى العاملة وتحقيق النمو في ظل التحديات المستقبلية.

X