جولة وزير الخارجية البريطاني في الصين والهند: أمن بريطانيا بين بكين ونيودلهي
تابعونا على:

سياسة

جولة وزير الخارجية البريطاني في الصين والهند: أمن بريطانيا بين بكين ونيودلهي

نشر

في

590 مشاهدة

جولة وزير الخارجية البريطاني في الصين والهند: أمن بريطانيا بين بكين ونيودلهي

لا تتحرك لندن في هذه الجولة من باب المجاملة الدبلوماسية. المسألة أبعد من زيارة إلى عاصمتين كبيرتين. الصين والهند تقفان اليوم في قلب الحساب البريطاني الجديد، لا لأنهما قوتان صاعدتان فقط، بل لأن جزءاً من أمن بريطانيا الاقتصادي والسياسي صار يمر عبرهما، عبر التجارة، والبحار، والمعادن، وسلاسل الإمداد، والتكنولوجيا التي لا تنتظر أحداً.

جولة وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر إلى الصين والهند جاءت بهذا المعنى. بيان الحكومة البريطانية قدّمها كزيارة لبلدين من أكثر القوى تأثيراً في العالم، وذكر أن جدولها تناول حرية الملاحة في مضيق هرمز، والحرب في أوكرانيا، والذكاء الاصطناعي، إلى جانب الأمن البحري وسلاسل الإمداد والمعادن الحيوية. هذه ليست ملفات متفرقة. هي خريطة واحدة لأمن لم يعد قابلاً للفصل عن الاقتصاد.

الزيارة شملت لقاءات مع نائب الرئيس الصيني هان تشنغ، ووزير الخارجية وانغ يي، ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، ووزير الخارجية الهندي سوبرامانيام جايشانكار. الأسماء هنا مهمة، لكنها لا تكفي لفهم المعنى. المهم أن بريطانيا تحاول، بعد سنوات من الارتباك في موقعها الدولي، أن تقول إنها لا تريد الانسحاب من الطاولة التي تُرسم عليها قواعد المرحلة المقبلة.

جولة وزير الخارجية البريطاني وسؤال الأمن الواسع

تستخدم لندن كلمة الأمن بكثافة في هذه الجولة، لكنها لا تقصد بها السلاح وحده. الأمن هنا يعني أن تبقى الممرات البحرية مفتوحة، وأن لا تتحول حرب أوكرانيا إلى أزمة دائمة في قلب أوروبا، وأن لا تصبح سلاسل الإمداد رهينة بلد واحد أو صدمة واحدة، وأن لا يسبقها الآخرون في وضع قواعد الذكاء الاصطناعي.

هذا التحول ليس تفصيلاً لغوياً. الدولة التي تعتمد على استيراد مواد وتقنيات وأسواق خارجية لا تستطيع أن تفصل أمنها عن حركة الشحن، ولا عن المعادن التي تدخل في السيارات الكهربائية وتوربينات الرياح والهواتف الذكية، ولا عن البيانات التي تتحول إلى قوة إنتاج ورقابة وقرار. لذلك بدت الجولة محكومة بسؤال عملي أكثر من كونها محكومة بخطاب سياسي واسع. كيف تتعامل بريطانيا مع بكين ونيودلهي من دون أن تفقد هامشها؟

في الصين، تحدث البيان البريطاني عن الحاجة إلى إعادة فتح مضيق هرمز من دون رسوم أو قيود، ومنع الانتشار النووي في إيران، والحفاظ على الاستقرار في الشرق الأوسط. وتحدث أيضاً عن الدعوة إلى وقف فوري لإطلاق النار في أوكرانيا، وعن حث الصين، وفق الرواية البريطانية، على إنهاء الدعم الاقتصادي للحرب الروسية. وفي الهند، انتقل التركيز إلى الأمن البحري والنمو وسلاسل الإمداد. هكذا يصبح الخليج وأوكرانيا والمحيط الهندي جزءاً من النقاش نفسه.

ليست هذه سياسة مريحة. لكنها سياسة تفرضها الوقائع. بريطانيا لا تستطيع أن تتعامل مع الصين كخصم كامل، ولا تستطيع أن تتعامل مع الهند كبديل كامل. بين الاثنين تبحث عن مساحة حركة، وعن توازن لا ينهار عند أول أزمة.

الصين بين الانخراط والحذر

بدأت الجولة من الصين، وهذا بحد ذاته يحمل دلالة. ففي بكين شاركت كوبر في الحوار الاستراتيجي الصيني البريطاني الحادي عشر، والتقت وانغ يي وهان تشنغ، ثم انتقلت إلى شينزن، المدينة التي تختصر جانباً كبيراً من الصعود التكنولوجي الصيني. هناك التقت مسؤولين وشركات ومستثمرين في قطاعات التقنية، واطلعت، وفق البيان البريطاني، على تطورات في الذكاء الاصطناعي والروبوتات، مع طرح الحاجة إلى معايير دولية تخص سلامة الذكاء الاصطناعي وأمنه.

هذه التفاصيل لا تأتي من فراغ. سياسة بريطانيا تجاه الصين مرت خلال السنوات الماضية بموجات شد وجذب، بين الانفتاح التجاري والمخاوف الأمنية. وفي يونيو 2025 تحدثت الحكومة البريطانية، من خلال ما عُرف بتدقيق سياسة الصين، عن الحاجة إلى نهج طويل الأمد، قائم على البيانات والتنسيق بين مؤسسات الدولة. المعنى أن لندن لا تريد قراراً انفعالياً، ولا تريد أيضاً ترك العلاقة لقوة السوق وحدها.

الصين، من جهتها، استخدمت لغة مختلفة. البيانات الصينية ركزت على التواصل الاستراتيجي، والحفاظ على زخم العلاقة، وطلب بيئة عادلة وغير تمييزية للشركات الصينية في بريطانيا، مع التحذير من توسيع مفهوم الأمن بطريقة تضيق مجال التعاون. هذا هو موضع التوتر الحقيقي. بريطانيا تريد الانخراط، لكنها تريد التحصين. والصين تريد التعاون، لكنها تريد تخفيف القيود والحذر السياسي المحيط بشركاتها وتكنولوجيتها.

ليس الخلاف في وجود علاقة من عدمها. العلاقة قائمة، وهي أكبر من أن تُختصر في شعار. الخلاف في شروطها. هل تستطيع بريطانيا أن تستفيد من السوق والتكنولوجيا والاستثمار الصيني من دون أن تفتح أبواباً حساسة في البنية التحتية والبيانات والمعرفة؟ وهل تقبل بكين بعلاقة تجارية تخضع لمراقبة أمنية دائمة؟

هنا تبدو زيارة كوبر إلى الصين كتمرين في إدارة الضرورة. لا قطيعة، ولا ثقة كاملة. بل حوار صعب، بطيء، وواقعي إلى حد كبير.

الهند وشراكة الأمن الاقتصادي

الجزء الهندي من الجولة حمل نبرة مختلفة. فالعلاقة مع نيودلهي تبدو في الخطاب البريطاني أقرب إلى شراكة يمكن البناء عليها، خصوصاً بعد اتفاق التجارة الحرة الذي جرى التوصل إليه في 6 مايو 2025، وفي ظل رؤية بريطانيا والهند لعام 2035. لكن حتى هنا لا توجد طريق خالية من الحسابات.

في نيودلهي، ناقشت كوبر مع مودي وجايشانكار قضايا الأمن البحري والنمو وتأمين سلاسل الإمداد من الصدمات الاقتصادية العالمية. وأطلقت بريطانيا والهند مركزاً إقليمياً للتميز في الأمن البحري، كما أُعلن عن مرصد عالمي لسلاسل إمداد المعادن الحيوية، ضمن مبادرة أمن التكنولوجيا بين البلدين. هذا المرصد، بحسب البيان البريطاني، يستخدم أداة قائمة على الذكاء الاصطناعي لتوفير معلومات آنية عن تدفقات المعادن الحيوية عالمياً وتحديد نقاط الضعف في سلاسل الإمداد.

خصصت الهند 1.2 مليون جنيه إسترليني لإنشاء حرم تابع للمرصد في المعهد الهندي للتكنولوجيا في دانباد، بالتعاون مع جامعة كامبريدج. قد يبدو الرقم محدوداً قياساً بحجم الاقتصادين، لكنه يشير إلى اتجاه مهم. الأمن لم يعد مستودعاً من السلاح فقط. صار أيضاً قاعدة بيانات تعرف أين تتحرك المواد، وأين يمكن أن تنقطع، ومن يملك القدرة على التعويض عندما تقع الصدمة.

أما اتفاق التجارة الحرة، فهو الخلفية الاقتصادية الأوضح لهذا المسار. الحكومة البريطانية تقول إن الاتفاق يمكن أن يرفع التجارة الثنائية السنوية بنحو 25.5 مليار جنيه إسترليني في المدى الطويل، وأن يزيد الناتج المحلي البريطاني بنحو 4.8 مليارات جنيه سنوياً. هذه تقديرات حكومية، وليست نتيجة قائمة بعد. لذلك تبقى مرتبطة بالتنفيذ، وبالقدرة على تجاوز الخلافات التي بدأت تظهر في ملفات مثل واردات الصلب.

رويترز أشارت إلى أن القيود البريطانية الجديدة على واردات الصلب أثارت عقبات أمام تطبيق الاتفاق، وأن لندن تحدثت عن احتمال تأخر التنفيذ إلى خريف 2026، مع تأكيدها عدم إعادة فتح الاتفاق نفسه. هذه النقطة تكشف أن الشراكة مع الهند ليست بلا توتر. الهند تريد نفاذاً أوسع لسلعها وصناعاتها، وبريطانيا تريد حماية قطاعات حساسة وفي الوقت نفسه فتح أبواب جديدة أمام صادراتها واستثماراتها.

الفارق بين الصين والهند، في الحساب البريطاني، واضح نسبياً. مع الصين، تدير لندن التعاون من داخل الحذر. ومع الهند، تحاول توسيع الشراكة مع إدارة الخلافات. الأولى قوة لا يمكن الاستغناء عنها ولا يمكن الاطمئنان إليها بسهولة. والثانية شريك صاعد، أقرب سياسياً، لكنه يملك مصالحه وشروطه وأدوات ضغطه.

من هنا لا تبدو الجولة مجرد حركة بين عاصمتين. إنها قراءة بريطانية لموقعها في عالم لم يعد يسمح بسياسة خارجية مفصولة عن الاقتصاد. مضيق هرمز، أوكرانيا، الذكاء الاصطناعي، المعادن الحيوية، التجارة مع الهند، والعلاقة الصعبة مع الصين، كلها ملفات تدور حول فكرة واحدة. من يملك القدرة على حماية مصالحه في سلاسل العالم الجديدة، يملك قدرة أكبر على حماية قراره.

الخلاصة أن جولة وزير الخارجية البريطاني في الصين والهند لا تعلن تحولاً كاملاً في سياسة لندن، لكنها تكشف اتجاهها. بريطانيا تريد الانخراط مع القوى الكبيرة، لا لأنها تثق بها كلها، بل لأنها تعرف أن الغياب عن الحوار لا يمنحها قوة. تريد علاقة مع الصين منضبطة بالحذر، وشراكة مع الهند مدفوعة بالتجارة والأمن البحري والتكنولوجيا، وتريد أن تربط كل ذلك بمصلحة داخلية اسمها النمو والأمن.

هذا هو المعنى الأهم. أمن بريطانيا لم يعد يُصنع في وزارة الدفاع وحدها. جزء منه يمر من بكين، وجزء من نيودلهي، وجزء من ممرات النفط وسلاسل المعادن ومختبرات الذكاء الاصطناعي. ومن لا يرى هذه الخريطة كاملة، سيقرأ الجولة كخبر دبلوماسي عادي، بينما هي في حقيقتها محاولة لترتيب موقع دولة في عالم يتغير ببطء، لكنه يتغير بعمق.

اقرأ أيضاً: من يقف وراء اختراق الخارجية البريطانية؟
















X