تحول القطار المتجه من دونكاستر Doncaster إلى لندن إلى مسرح لجريمة بشعة طُعِن فيها عدد من الأشخاص بعد هجوم مفاجئ على متن خطوط الحديد التابعة لشركة سكة حديد لندن الشمالية الشرقية LNER، مما جعل الرأي العام البريطاني في حالة ذهول.
فقد شهدت بريطانيا مساء السبت حادثة مروعة عندما تعرض ركاب قطار متجه من دونكاستر إلى لندن لهجوم طعن جماعي أسفر عن إصابة 11 شخص، بينهم أحد أفراد طاقم القطار الذي تعرض لإصابة خطيرة قد تودي بحياته.
قالت الشرطة إن الهجوم وقع على متن خدمة سكة حديد لندن الشمالية الشرقية (LNER) التي غادرت دونكاستر في تمام الساعة 18:25 بتوقيت غرينتش متجهة إلى محطة كينغز كروس Kings Cross في لندن. وشرح شهود عيان تفاصيل الحادث المروع، وقالوا أن الجاني كان أحد ركاب القطار، ثم بدأ في التلويح بسكين بعد مرور القطار بمحطة بيتربورو في مقاطعة كامبريدجشير، ثم فجأة هاجم عدداً من الركاب بشكل عشوائي.
تلقت شرطة كامبريدجشير Cambridgeshire أول بلاغ من ركاب القطار في الساعة 19:39، أعقبه إخطار لشرطة النقل البريطانية (BTP) عند الساعة 19:42. وفوراً تلقى القطار تعليمات بالتوقف اضطرارياً في محطة هانتينغدون Huntingdon، التي تبعد نحو 15 دقيقة بالقطار عن بيتربورو Peterborough.
ثم صعدت الشرطة المسلحة إلى القطار فور توقفه، وتمكنت خلال ثماني دقائق فقط من أول اتصال بـ BTP من السيطرة على الوضع والقبض على رجلين بريطانيين في الثلاثينيات من العمر. وأكدت الشرطة فيما بعد بالعثور على سكين في موقع الحادث.
كما أوضحت شرطة النقل البريطانية في بيانها الأول أنه تم القبض على رجلين، أحدهما يبلغ من العمر 32 عاماً والآخر 35 عاماً، وهما مواطنان بريطانيان. لكن تم إطلاق سراح الرجل البالغ من العمر 35 عاماً من لندن الأحد مساءً، دون اتخاذ أي إجراء إضافي بعد أن تبين أنه لم يكن متورط في الحادث، رغم ورود اسمه بحسن نية في البلاغات الأولى.
أما المشتبه به الرئيسي، البالغ من العمر 32 عاماً، فلا يزال رهن الاحتجاز لدى الشرطة للاشتباه في محاولته القتل. وأفادت الشرطة أنه مواطن بريطاني أسود من مدينة بيتربورو، وكان قد صعد إلى القطار من محطة بيتربورو نفسها. وأكد نائب رئيس الشرطة ستيوارت كاندي أن المحققين المتخصصين يواصلون التحقيق في خلفية المشتبه به والأحداث التي سبقت الهجوم.
وأفادت الشرطة أنه خلال عملية الاستجابة لنداء القطار استخدمت مسدساً صاعقاً للسيطرة على أحد الرجال المسلحين بالسكين. وأُعلنت حالة طوارئ واسعة في المكان، حيث حضرت سيارات إسعاف جوية، وأكثر من 20 سيارة شرطة، وعدة سيارات إطفاء.
بينما أثنى المسؤولون على تصرف سائق القطار أندرو جونسون Andrew Johnson، وهو ضابط صف رئيسي سابق في البحرية الملكية، الذي اتصل بغرفة التحكم فور انطلاق الإنذار، ونجح في تحويل القطار من المسار السريع إلى المسار البطيء ليتمكن من التوقف عند رصيف محطة هانتينغدون. وقد أسهم تصرفه السريع في تمكين قوات الشرطة من دخول القطار بأمان.
عقب السيطرة على الموقف، استجوبت الشرطة الركاب غير المصابين، بينما نُقل بعضهم إلى لندن بواسطة باصات وفرتها السلطات. وقال عضو البرلمان عن هانتينغدون بن أوبيس-جيكتي Ben Obis-Gekti لهيئة الإذاعة البريطانية (BBC) إنه عند وصوله إلى موقع الحادث بعد الساعة 21:00 بقليل، شاهد حوالي عشر سيارات إسعاف والعديد من سيارات الإطفاء وأكثر من 20 سيارة شرطة.
وأعلنت شركة السكك الحديدية الوطنية أن محطة هانتينغدون ستظل مغلقة حتى نهاية يوم الاثنين بسبب استمرار التحقيقات، فيما شوهد القطار الفارغ على الرصيف صباح الأحد وسط وجود أمني مكثف وخيام للطب الشرعي.
أما بالنسبة إلى المصابين فقد تم نقل عشرة منهم إلى مستشفى أدينبروك في كامبريدج، الذي يبعد حوالي نصف ساعة عن موقع الحادث، بينما توجه فيما بعد مصاب آخر لتلقي العلاج. وأكدت الشرطة مساء الأحد أن خمسة من المصابين غادروا المستشفى، بينما لا يزال أحدهم في حالة حرجة تهدد حياته، وهو أحد موظفي شركة LNER الذي حاول التصدي للمهاجم أثناء الهجوم. وأشادت الشرطة بشجاعته، مؤكدة أن أفعاله البطولية “أنقذت بلا شك حياة العديد من الركاب”.
دقائق من الرعب رواها شهود عيان
وروى شهود عيان لوسائل الإعلام البريطانية مشاهد مرعبة من داخل القطار. قال أليستير داي Alastair Day (58 عاماً) إنه اختبأ في عربة البوفيه مع نحو 11 راكب آخر بينما كان المهاجم يحاول الدخول، وأضاف أن أحد الركاب الملطخ بالدماء قال له بهدوء إنه طعن في صدره، فقام الركاب بالضغط على جرحه لوقف النزيف.
أما الراكب أولي فوستر Olly Foster فأشار إلى أنه سمع شخص يصرخ “اركضوا، هناك رجل يطعن الجميع”، واعتقد في البداية أنها مزحة متعلقة بعيد الهالوين. وأضاف أنه شاهد رجلاً كبيراً بالعمر مصاباً بجروح خطيرة في رأسه ورقبته بعد أن حاول حماية فتاة صغيرة من المهاجم، حيث استخدم الركاب ستراتهم لمحاولة وقف النزيف.
كما روت الطالبة أميرة أوستالسكي Amira Ostalski من جامعة نوتنغهام، التي كانت على متن القطار مع صديقتها تفاصيل ما شاهدته، وقالت إنها شعرت بالأمان بعد توقف القطار في هانتينغدون، لكنها فوجئت برؤية المهاجم يقفز من فوق السياج ويركض باتجاههما قبل أن تتمكن الشرطة من احتجازه أمام عينيها مباشرة. وأضافت أن هذه الحادثة أثرت على نفسيتها جداً، وقد قد لا تستطيع ركوب القطار مرة أخرى بعد هذه التجربة الصادمة.
من جانبها أعلنت شرطة النقل البريطانية أن وحدة مكافحة الإرهاب شاركت في التحقيقات منذ البداية “لتحديد الملابسات والدوافع الكاملة وراء الحادث”. وأشارت إلى أنه تم تفعيل بروتوكول “أفلاطون”، وهو مصطلح يستخدم وطنياً عند الاشتباه في هجوم إرهابي واسع، قبل أن يتم إلغاؤه لاحقاً بعد أن تأكدت الشرطة من أن الحادث ليس له طبيعة إرهابية.
قال المفتش جون لوفليس John Lovelace من شرطة النقل البريطانية في مؤتمر صحفي إن “التحقيق لا يشير إلى أن هذا حادث إرهابي”، وأكد أن العمل جارٍ لفهم خلفية المهاجم ودوافعه.
ردود فعل حكومية على حادثة الطعن في القطار
أدان رئيس الوزراء البريطاني السير كير ستارمر Keir Starmer الحادث، واصفاً إياه “بالمروع والمثير للقلق العميق”، وأضاف في منشور له عبر منصة X أنه يتعاطف مع جميع المتضررين، وقدم شكره الموصول لخدمات الطوارئ على استجابتها السريعة.
كما أعربت وزيرة الداخلية شبانة محمود عن تضامنها مع الضحايا وأسرهم، وأشادت بجهود الشرطة والمسعفين. من جهتها قالت زعيمة حزب المحافظين كيمي بادينوخ Kimi Badenoch إنها شعرت بالرعب عند سماع تفاصيل الحادث، داعيةً إلى التوقف عن التكهنات حول دوافعه، ومتسائلة عن أسباب تصاعد العنف في الشوارع البريطانية رغم الجهود المبذولة لمكافحة جرائم السكاكين.
وفي بيان رسمي، قدّم الملك تشارلز الثالث والملكة كاميلا “أعمق تعازيهما” لجميع المتضررين وأحبائهم.
كما دعت شركة LNER الركاب إلى التحقق من جداول السفر خلال الأيام التالية، وأشارت إلى احتمال حدوث تأخيرات أو إلغاءات في الخدمات بين لندن كينغز كروس وبيتربورو. وأوضحت الشركة أن تذاكر يومي السبت والأحد ستظل صالحة حتى يوم الجمعة المقبل، كما يمكن للركاب الذين لا يرغبون في السفر هذا الأسبوع استرداد قيمة تذاكرهم بالكامل.
بينما قامت وزيرة النقل هايدي ألكسندر Heidi Alexander بطمأنة الجمهور وقالت إن الركاب سيلاحظون “تواجد ملحوظ للشرطة في المحطات وعلى متن القطارات” يوم الأحد. كما نقلت وكالة الأنباء البريطانية (PA) عن مصادر حكومية أن الوجود الأمني سيُعزز حتى يوم الثلاثاء على الأقل في مراكز النقل الكبرى مثل لندن، برمنغهام، مانشستر، وهانتينغدون.
وفي ختام هذا التقرير، نُذكر بأننا في موقع أرابيسك لندن كنا قد تناولنا في تقرير سابق تصاعد معدلات الجريمة في بريطانيا بشكل عام، وفي العاصمة لندن على وجه الخصوص، حيث استعرضنا بالأرقام والبيانات الأسباب والعوامل التي تقف وراء هذا الارتفاع المقلق في جرائم القتل والسرقة وسواها.
ويمكنكم الاطلاع على التقرير الكامل عبر الرابط المرفق في نهاية هذا المقال.
اقرأ أيضاً: بين الحقيقة والانطباع.. هل تحولت لندن إلى مدينة الجريمة؟