حان الوقت كي تستخدم أوروبا الخيار النووي ضد أمريكا!
تابعونا على:

سياسة

حان الوقت كي تستخدم أوروبا “الخيار النووي” ضد أمريكا!

نشر

في

732 مشاهدة

حان الوقت كي تستخدم أوروبا "الخيار النووي" ضد أمريكا!

لم يغب ملف غرينلاند عن الواجهة الإعلامية الدولية متذ أن أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رغبته بالاستحواذ عليها. لكن الجديد في هذا الموضوع هو ربط الملف بسلسلة من الإجراءات الاقتصادية التصعيدية ضد أوروبا. وبذلك تحولت قضية غرينلاند من موقف سياسي، إلى حرب اقتصادية متكاملة الأركان ضد أوروبا، و”سلاحها النووي” في هذه المعركة هو “الرسوم الجمركية”. لكن في المقابل تمتلك أوروبا أيضاً “سلاحاً نووياً” من نوع آخر تستطيع عن طريقه ضرب القوة الاقتصادية الكبرى التي يعتمد عليها ترامب. هذا ما تتداوله بعض وسائل الإعلام اليوم، ولهذا سنتعرف عليه في هذا المقال.

يرفض دونالد ترامب Donald Trump التراجع عن مسعاه للسيطرة على غرينلاند، ويستخدم لتحقيق ذلك سلاح الرسوم الجمركية، معلناً عزمه فرض تعريفات واسعة على واردات أوروبية تصل قيمتها إلى عشرات المليارات من الدولارات ضد من يعترض على ضمّ الجزيرة إلى الولايات المتحدة. وبحسب تصريحاته، فإن هذه الإجراءات ستبقى قائمة إلى أن يتم التوصل إلى اتفاق يحقق ما وصفه “بالاستحواذ الكامل” على غرينلاند.

وعلى عكس ما يتم الترويج له أحياناً، فإن هذه الرسوم لا تتحملها الدول الأوروبية المصدّرة، بل يدفع ثمنها المستهلك الأمريكي بشكل مباشر. فارتفاع التعريفات يعني زيادة أسعار السلع داخل الولايات المتحدة، وهو ما يضيف عبئاً جديداً على الأسر الأمريكية. ورغم أن الدول الأوروبية قد تتضرر من تراجع الصادرات، فإنها أصبحت أقل اعتماداً على السوق الأمريكية، بعدما فقد هذا السوق جزءاً من مصداقيته على المستوى الدولي.

ورغم خسارة المواطن الأمريكي، لا يبدو أن ترامب مستعد للتراجع، كما لم يعترف سابقاً بخسارته في انتخابات 2020. فبالنسبة له تبقى غرينلاند هدفاً سياسياً واقتصادياً، حتى وإن تعارض ذلك مع الأعراف الدولية أو الواقع القانوني.

كيف يمكن الرد على ترامب؟

أوردت صحيفة بوليتيكو Politico نقلاً عن دبلوماسيين ومسؤولين أوروبيين، أن الاتحاد الأوروبي يتجه نحو اتخاذ إجراءات غير مسبوقة في مواجهة الولايات المتحدة، من بينها فرض رسوم جمركية قد تصل إلى 93 مليار يورو، في محاولة لردع دونالد ترامب عن الاستمرار في مساعيه للسيطرة على غرينلاند. ووفقاً لما أوردته الصحيفة فإن هذه الخطوات يتم مناقشتها بجدية متزايدة داخل أروقة الاتحاد.

وأفادت الصحيفة بأن ممثلي الدول الأعضاء السبع والعشرين عقدوا اجتماعًا طارئًا في بروكسل يوم الأحد استمر ثلاث ساعات، ركّز على ضرورة إعداد خيارات عملية وسريعة للرد في حال لم تسفر المحادثات مع واشنطن عن نتائج ملموسة. كما من المقرر أن يعقد رئيس المجلس الأوروبي، أنطونيو كوستا، قمة للاتحاد الأوروبي لمواصلة البحث في سبل التعامل مع الأزمة.

وبحسب دبلوماسي أوروبي مطلع على المفاوضات، فإن فرض رسوم جمركية انتقامية بقيمة 93 مليار دولار يعد خياراً يمكن تنفيذه بسرعة مقارنة بإجراءات أخرى لا تزال قيد النقاش.

إلا أن أوروبا تجد نفسها أمام معضلة حقيقية. فالرد التقليدي عبر فرض رسوم جمركية مضادة على الصادرات الأمريكية قد يضر ببعض الشركات في الولايات المتحدة، لكنه لن يشكل ضغطاً حقيقياً على ترامب. والأسوأ من ذلك أن هذه الخطوة قد تنعكس بشكل سلبي على المستهلك الأوروبي، من خلال زيادة تكاليف المعيشة على فئات تعاني أصلاً من ضغوط اقتصادية.

لذلك من الخيارات المتاحة أمام أوروبا هو استخدام ما يعرف “بأداة مكافحة الإكراه”، التي تمنح الاتحاد الأوروبي صلاحيات واسعة، مثل تقييد أنشطة البنوك الأمريكية، أو تعليق براءات الاختراع، أو منع الشركات من جني أرباح من تحديثات البرمجيات أو خدمات البث وعدم الاعتراف بحقوق التأليف والنشر الأمريكية داخل أوروبا. يبرز هذا الخيار الأكثر فاعلية، لأنه يصيب جوهر القوة الاقتصادية للشركات الأمريكية الكبرى، بدل الاكتفاء بإجراءات تمس المستهلكين.

فشركات مثل آبل تعتمد على آلاف براءات الاختراع لتحقيق أرباح تتجاوز 100 مليار دولار سنوياً، بينما تقوم شركات البرمجيات الكبرى، مثل مايكروسوفت Microsoft وأوراكل Oracle، على حماية قانونية صارمة لحقوق الملكية الفكرية التي تدر أرباحاً ضخمة على كبار المساهمين. وينطبق الأمر ذاته على شركات الترفيه مثل ديزني وباراماونت، التي تعتمد بشكل شبه كامل على احتكارات حقوق التأليف والنشر.

وبالتالي فإن المساس بهذه الاحتكارات سيؤدي بسرعة إلى زعزعة المصالح الاقتصادية للنخب الثرية التي دعمت ترامب وساهمت في صعوده السياسي، كما سيفتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول مصادر هذه الثروات ودورها في التأثير على الديمقراطية داخل الولايات المتحدة وخارجها.

ولا يعد هذا الإجراء الأول في التاريخ، إذ سبق أن أوقفت الولايات المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية الاعتراف ببراءات الاختراع الألمانية، واعتمدت نظام الترخيص الإلزامي، مما سمح باستخدام الاختراعات مقابل رسوم رمزية. ويمكن لأوروبا اليوم أن تقوم بخطوة مشابهة رداً على السياسات الأمريكية التي تتجاهل القانون الدولي.

هذا الإجراء لا يلحق الضرر بالمصالح الاقتصادية الأمريكية مقارنة بالرسوم الجمركية فقط، بل يحقق مكاسب مباشرة للمستهلك الأوروبي. إذ يمكن أن يؤدي ذلك إلى خفض كبير في أسعار الهواتف الذكية، وإتاحة برامج الحاسوب بأسعار رمزية أو مجاناً، عدا عن توفير المحتوى الترفيهي دون تكاليف مرتفعة. وهنا تتحقق فائدة حقيقية للتجارة الحرة عبر كسر احتكارات الملكية الفكرية.

كما يكشف هذا الخيار خلل السياسات الاقتصادية التي سادت خلال العقود الماضية، والتي أسهمت في إعادة توزيع الدخل لصالح الفئات العليا، سواء في الولايات المتحدة أو أوروبا، وساعدت في صعود الشعبوية اليمينية. ولم يكن هذا التحول نتيجة طبيعية لقوى السوق، بل نتاج قرارات حكومية عززت احتكارات براءات الاختراع ووسعت نطاقها بدل الحد منها.

حتى الآن لم تطلب الحكومات الأوروبية رسمياً من المفوضية الأوروبية تفعيل هذه الأداة، لكنها تؤكد في الوقت ذاته أن الاتحاد يمتلك مجموعة كافية من الخيارات الدبلوماسية والاقتصادية. وأوضح أحد الدبلوماسيين لبوليتيكو أن بعض هذه الخيارات يمكن الإعلان عنها علناً، بينما من المفضل الإبقاء على الخيارات الأخرى سراً. ووفقاً لمصدر دبلوماسي آخر، قد تستغرق المشاورات بين يومين وثلاثة أيام لتحديد الخطوة التالية.

وكان ترامب قد أعلن في وقت سابق، عبر منصة Truth Social، أن الولايات المتحدة ستبدأ بفرض رسوم جمركية بنسبة 10% على عدد من الدول الأوروبية، من بينها المملكة المتحدة وألمانيا والدنمارك وهولندا والنرويج وفنلندا وفرنسا والسويد. وأكد أن هذه الرسوم ستظل سارية إلى حين التوصل إلى اتفاق بشأن ما وصفه “بالاستحواذ الكامل والتام” على غرينلاند، على أن تدخل الإجراءات حيز التنفيذ في الأول من فبراير، مع رفع النسبة إلى 25% اعتباراً من الأول من يونيو.

في النهاية، استمرار ترامب في استخدام الرسوم الجمركية كأداة ضغط على الدول لتنفيذ أجنداته السياسية، سيؤدي إلى استخدام أوروبا لسلاح أقوى يضرب عصب الاقتصاد الأمريكي. وبالتالي قد نواجه في الأسابيع القادمة “حرب نووية” لكن من نوع آخر، سلاحها الأساسي القوة الناعمة لكن المؤثرة.

اقرأ أيضاً: ترامب وغرينلاند: أزمة التعريفات الجمركية تصعد التوتر مع أوروبا

المصدر
https://tass.com/world/2073035

https://cepr.net/publications/time-for-europe-to-use-the-nuclear-option-attack-u-s-patent-and-copyright-monopolies/
















X