في صيف بدا استثنائياً بكل المقاييس، لم تعد درجات الحرارة المرتفعة مجرد مصدر للقيظ الذي يدفع الناس للبحث عن الظل، بل أصبحت عاملاً يزيد من مخاطر حرائق الغابات وانتشارها، وذلك في وقت تتناقص فيه موارد المياه وتتزايد فيه الضغوط على فرق الطوارئ. يواجه رجال الإطفاء موسماً غير عادي، يتسم بموجات حر متكررة وجفاف حاد. ومع تزايد انتشار الحرائق وصعوبة السيطرة عليها، تبرز حاجة ملحة لإعادة النظر في استراتيجيات الاستعداد لموسم لم يعد من الممكن اعتباره حالة طوارئ عابرة.
الجفاف يمهد الطريق لحرائق الغابات
تنشأ ظروف الجفاف بسرعة عندما يتزامن انخفاض هطول الأمطار مع فترات طويلة من درجات الحرارة المرتفعة. ومع جفاف الغطاء النباتي والتربة، تصبح مساحات شاسعة شديدة القابلية للاشتعال؛ إذ يمكن للحرائق التي تبدأ في منطقة صغيرة ومحدودة أن تنتشر بسرعة، مدفوعةً بالرياح والحرارة.
وتشير البيانات إلى أن أكثر من سبعين بالمائة من مساحة دولة أوروبية معينة تقع ضمن مناطق متأثرة “بالجفاف المفاجئ”، وهي ظاهرة تتطور بسرعة نتيجة مزيج من قلة الأمطار وارتفاع درجات الحرارة.
ولا يقتصر هذا التأثير على الغابات فحسب، بل يمتد ليشمل الزراعة والموارد المائية والخدمات العامة والبيئة، مما يضع حرائق الغابات في سياق أزمة مناخية أوسع نطاقاً.
رجال الإطفاء تحت ضغط متزايد
مع تزايد عدد الحرائق، يزداد الطلب على الكوادر المدربة والمركبات والمعدات القادرة على الوصول إلى التضاريس الوعرة ومكافحة الحرائق التي تغطي مساحات شاسعة.
ففي إحدى العواصم الأوروبية، ارتفع حجم بلاغات الطوارئ في الأشهر الأولى من موسم الصيف بنحو الثلث مقارنة بمتوسط السنوات الخمس الماضية، بينما زاد عدد الحوادث التي تعاملت معها فرق الطوارئ بنحو الربع. وشملت استجابات الطوارئ التعامل مع مئات الحرائق، إلى جانب عمليات الإنقاذ المائي وحوادث أخرى مرتبطة بالظروف الجوية القاسية. وهذا يعني أن فرق الطوارئ لا تتعامل مع نوع واحد من الكوارث، بل مع سلسلة من الحوادث المتزامنة التي تفرض ضغوطاً هائلة على الأفراد والمعدات.
في إحدى المناطق الحرجية، اضطر أكثر من 120 رجل إطفاء للتعامل مع حريق هائل وسط درجات حرارة مرتفعة للغاية وتضاريس صعبة. وقد تم نشر العشرات من شاحنات الإطفاء وصهاريج المياه، كما تزايدت أعداد المستجيبين مع تقدم عمليات الإطفاء.
وتظهر هذه الحوادث كيف تختلف مكافحة حرائق الغابات عن إخماد حرائق المباني. تعقّد المساحات المفتوحة، وصعوبة الوصول إلى المواقع، والغطاء النباتي الجاف، واتجاه الرياح، جميعها جهود السيطرة على النيران.
اقرأ أيضاً: بريطانيا على حافة الجفاف: تحذير وكالة البيئة تكشف حجم المشكلة
الحرارة تجلب أكثر من مجرد مخاطر الحرائق
تتجاوز المشكلة حدود حرائق الغابات؛ إذ تؤدي درجات الحرارة المرتفعة إلى استنزاف الموارد المائية، وزيادة الطلب عليها من قِبَل السكان والقطاع الزراعي، فضلاً عن زيادة الضغط على الخدمات العامة. يواجه ملايين الأشخاص قيوداً على استخدام المياه في ظل تزايد الضغوط على الموارد المائية. ومع استمرار الطقس الحار والجاف، أصبحت إدارة المياه جزءاً لا يتجزأ من إدارة مخاطر الحرائق؛ فعمليات الإطفاء تتطلب كميات كبيرة من المياه في وقت تعاني فيه الموارد المائية أصلاً من ضغوط شديدة.
تشير المؤشرات المناخية إلى أن ارتفاع درجات الحرارة وتكرار موجات الحر والجفاف من المرجح أن يصبحا هما السائد، مما يعني أن خطط الطوارئ الحالية لم تعد كافية وحدها. لم يعد التحدي مقتصراً على الاستجابة لحريق واحد، بل يكمن في القدرة على إدارة سلسلة من الحرائق التي تندلع في آن واحد أو في مواقع متقاربة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على جاهزية الفرق للتعامل مع الفيضانات والعواصف وغيرها من الظواهر المرتبطة بالطقس. وهذا ما يفسر الدعوات المطالبة بزيادة التمويل، وتوفير معدات أفضل، وتحسين التدريب، وزيادة أعداد رجال الإطفاء.
الوقاية تبدأ قبل اندلاع الحريق
تعتبر الاستجابة السريعة أمراً بالغ الأهمية، لكنها ليست كافية بمفردها. ومع توسع مساحات الغابات الجافة، تصبح الوقاية من الحرائق، والحد من المواد القابلة للاشتعال (الوقود الطبيعي للحرائق)، وزيادة الاستعداد في المناطق عالية المخاطر، عناصر أساسية في استراتيجية الاستجابة. كما ينبغي للسلطات تحسين أنظمة الإنذار المبكر، ومراقبة المناطق الجافة، وتنظيم استخدام المياه، ورفع مستوى الوعي العام بمخاطر إشعال النيران في المناطق المفتوحة خلال فترات الحر والجفاف. قد تكون الشرارة صغيرة، لكن الظروف المحيطة هي التي تحدد ما إذا كانت ستظل حادثاً بسيطاً أم ستتحول إلى حريق هائل.
لا يمكن النظر إلى الأحداث الراهنة بمعزل عن التغير المناخي، الذي يتسبب في فترات أطول من الحر والجفاف في مناطق مختلفة من العالم. وفي هذا السياق، يتحول السؤال الجوهري من “كيفية إخماد الحريق بعد اندلاعه” إلى “كيفية الاستعداد لبيئة أصبحت أكثر عرضة لحرائق الغابات”.
تقف فرق الإطفاء في الخطوط الأمامية، لكنها لا تستطيع معالجة المشكلة بمفردها، إذ تتطلب المواجهة تضافر الجهود في مجالات إدارة المياه، وحماية الغابات، والتخطيط العمراني، والاستعداد للطوارئ، والتعامل مع المناخ.