أرصفة لندن تبدو عادية لمن يعبرها صباحاً إلى العمل، لكنها تخفي شبكة أعصاب تحمل أوامر شراء وبيع وتحويلات بنكية وبيانات خدمات لا تتوقف، عندما يقترب مشروع مبنى دبلوماسي ضخم من هذه الأعصاب، يصبح النقاش عاماً لا يخص المهندسين وحدهم. هل تصنع الجغرافيا خطراً إضافياً حتى لو كانت الشبكات مشفرة ومحمية.
هذا التقرير يتتبع ما قيل عن تحرك MI5 لإبعاد بعض الكابلات عن موقع سفارة صينية مقترحة، ولماذا تحاول لندن الموازنة بين تقليل المخاطر وعدم قطع الجسور الدبلوماسية.
حماية كابلات الإنترنت في لندن
بحسب تقارير صحفية ووكالة رويترز، درست أجهزة الأمن البريطانية وعلى رأسها MI5 ترتيبات لتعديل مسارات كابلات ألياف ضوئية قريبة من موقع مشروع السفارة الصينية في رويال منت كورت بمنطقة تاور هاملتس. جوهر الفكرة تقليل فرص الوصول المادي إلى نقاط تمر عبرها بيانات حساسة بين سيتي لندن وكناري وارف، وهما منطقتان ترتبطان بكثافة أعمال المال والبيانات.
وفي 20 يناير 2026 أعلنت الحكومة البريطانية موافقتها على المشروع بشروط، مع حديث عن حزمة إجراءات لتخفيف المخاطر تشمل رقابة أشد على أعمال الحفر وإدارة الوصول إلى غرف الخدمات وتغييرات في مسارات بعينها. ونقلت الإندبندنت أن الجهاز رأى أن أي تخفيف لا يلغي كل احتمال. وأشارت تقارير إلى أن الحكومة طلبت مخططات غير منقحة قبل القرار. هذه النقطة غذت انقسام الآراء بين من يفضل المنع ومن يفضل الضبط.
اقرأ أيضاً: تشكيل وحدة شرطة خاصة لرصد الخطاب المعادي للمهاجرين على الإنترنت
موقع حساس في العاصمة
المكان قريب من برج لندن ومن عقد خدمات تحت الأرض، ما يجعل أي تغيير في البنية التحتية محط تدقيق. معارضون للمشروع، بينهم برلمانيون ونشطاء محليون، يرون أن حجم المجمع الدبلوماسي يرفع مستوى القلق لأن السفارات تتمتع بخصوصية قانونية تُقيد الدخول والتفتيش مقارنة بمبان تجارية. ولفتت تقارير بحثية إلى أن وجود منشأة كبيرة فوق مسارات اتصالات يفتح باب أسئلة حول إمكانات الوصول غير المباشر أثناء الصيانة أو الطوارئ.
في المقابل يشير خبراء إلى أن البنية الرقمية في لندن لا تُبنى على مسار واحد، وأن حماية كابلات الإنترنت في لندن تُدار عبر بدائل متعددة وتشفير قوي ورقابة تشغيلية تقلل أثر أي نقطة واحدة.
مخاوف التجسس وحدود الواقع
تعبير الميغا سفارة صار عنواناً لجدل أوسع حول الصين والاستخبارات. بعض التقارير ركزت على مخاوف التنصت المادي وعلى نقاشات تتعلق بمخططات داخلية لم تُنشر بالكامل، ما غذى الشكوك لدى جزء من الرأي العام. لكن أصواتا أخرى، بينها مسؤولون سابقون في مجال الأمن السيبراني، قالت إن قرب المبنى وحده لا يمنح قدرة تلقائية على اعتراض البيانات، لأن اعتراض الإشارة أصعب من الوصول إلى أنبوب تحت الأرض، ولأن الاتصالات الحديثة تمر عبر طبقات حماية متعددة.
كما ظهرت وجهة نظر تعتبر أن تجميع المواقع الدبلوماسية في مكان واحد قد يسهل المتابعة الأمنية مقارنة بتشتت المواقع وصعوبة تتبع حركة الأفراد والمعدات.
اقرأ أيضاً: كيف تضمن أمان حساباتك المصرفية عبر الإنترنت؟
تكلفة تغيير مسارات البيانات
القرارات الأمنية تتحول بسرعة إلى أسئلة تشغيلية. تقارير في الصحافة البريطانية تحدثت عن تحذيرات من أن نقل بعض المسارات قد يسبب اضطراباً مؤقتاً أو تكاليف إضافية على شركات تعتمد على اتصال منخفض التأخير، خصوصاً في التداول والخدمات المصرفية الفورية. في مدينة يعمل فيها الفارق الزمني الصغير لمصلحة من يملك السرعة، قد يبدو أي تعديل مخاطرة، ولهذا ظهر نقاش عن احتمال إرباك مؤقت لأنظمة السيتي.
ومع ذلك يقول متخصصون إن المرونة جزء من تصميم الشبكات، فالمسارات البديلة وتوزيع الأحمال ونقاط الربط المتعددة تُبنى لتجاوز الأعطال، ويبقى التحدي في تنفيذ النقل من دون زيادة التأخير أو خلق نقاط ضعف جديدة.
بين السياسة وإدارة المخاطر
في المحصلة، تبدو لندن أمام معادلة مزدوجة. هناك رغبة حكومية معلنة في تحسين العلاقات مع بكين، وهو ما يفسر المضي في الموافقة المشروطة، وفي الوقت نفسه هناك التزام بإظهار أن البنية التحتية الحيوية ليست مجالاً للتجربة. لذلك يتجه النقاش إلى معايير التطبيق، من يراقب أعمال الحفر، من يتحكم في التصاريح، وكيف تُختبر المسارات البديلة قبل أي نقل. عندما تُدار هذه التفاصيل بحزم ووضوح، يمكن أن تتحول حماية كابلات الإنترنت في لندن من خبر مثير للقلق إلى درس عملي في إدارة المخاطر داخل مدينة لا تستطيع أن تتوقف.
اقرأ أيضاً: سفارة الصين العملاقة في لندن: أمن قومي أم ذعر سياسي موسمي؟