أطباق فارغة لا تحتاج إلى خطب كي تشرح ما يحدث، لكنها تحتاج إلى تمويل منتظم كي لا تتحول إلى مشهد دائم. عندما يتراجع دعم جهة دولية لعمليات الغذاء الطارئة، ينتقل أثر القرار من قاعات السياسة إلى أسر تقتطع من وجبتها، وإلى عيادات تقيس سوء التغذية بالجرعات والوزن. لهذا عاد اسم بريطانيا إلى الواجهة بعد ظهور خفض واضح في مساهمتها لبرنامج الأغذية العالمي.
خفض تمويل برنامج الأغذية العالمي
بيانات برنامج الأغذية العالمي تظهر أن مساهمة المملكة المتحدة بلغت نحو 609.9 مليون دولار في 2024، وفق القوائم المنشورة حتى 10 ديسمبر 2025. وفي 2025 تراجعت المساهمة إلى نحو 435.2 مليون دولار، بحسب بيانات محدثة حتى 26 يناير 2026. الفرق كبير بما يكفي ليعني قدرة أقل على تمويل الشحنات الغذائية، وقسائم الشراء، وبرامج التغذية الموجهة للأطفال والحوامل في بؤر الأزمات.
البرنامج يوضح أيضاً أن إجمالي مساهماته في 2025 جاء أقل من 2024، ما يشير إلى بيئة دولية تتراجع فيها التدفقات على العمل الإنساني. وفي تغطيات صحفية بريطانية، حذر مسؤولون سابقون ومنظمات إغاثية من أن خفض تمويل برنامج الأغذية العالمي قد يدفع نحو قرارات تشغيلية صعبة، مثل تقليص الحصص أو إعادة ترتيب الأولويات بين البلدان.
الداخل يزاحم موازنات الخارج
الإطار الأوسع للقرار يتصل بموازنة المساعدات البريطانية نفسها. فالإحصاءات الرسمية عن الإنفاق الإنمائي لعام 2024 تشير إلى إنفاق قدره 14.066 مليار جنيه، بنسبة 0.50% من الدخل القومي. وتشير البيانات إلى أن 2.834 مليار جنيه، أي 20% من الإجمالي، صُرفت داخل بريطانيا على دعم اللاجئين أو طالبي اللجوء.
ويخلق هذا الاستخدام منافسة مباشرة بين احتياجات داخلية وبين تمويل خارجي يقوم في الأساس على التقدير السياسي.
على خط مواز، تلخص وثائق برلمانية إعلان فبراير 2025 بأن بريطانيا ستخفض إنفاق المساعدات إلى 0.3% من الدخل القومي في 2027 لتمويل زيادة في الإنفاق الدفاعي. ويضيف باحثون في البرلمان أن معظم المساهمات الطوعية البريطانية لوكالات الأمم المتحدة تكون مقيّدة بمشاريع محددة، ما يقلل مرونة الوكالات عند تغير خريطة الأزمات، ويجعل أي خفض في التمويل الطوعي أكثر حساسية على الجهات التي تعتمد عليه بالكامل مثل برنامج الأغذية العالمي.
الجوع العالمي لا ينتظر
في المقابل، تظهر صورة الاحتياج العالمي ما يجعل التوقيت جزءاً من القصة. ملخص تقرير الأمن الغذائي العالمي يشير إلى أن نحو 673 مليون شخص واجهوا الجوع في 2024، وأن قرابة 2.3 مليار عاشوا انعدام أمن غذائي متوسطاً أو شديداً في العام نفسه. حتى عندما يتحسن مؤشر ما بشكل طفيف، يبقى العدد ضخماً، وتبقى بعض المناطق مثل أفريقيا وغرب آسيا في مسار مغاير.
حذر برنامج الأغذية العالمي في أكتوبر 2025 من أن نقص التمويل قد يدفع ما يصل إلى 13.7 مليوناً من متلقي مساعداته إلى مستويات أشد من الجوع، وأن عمليات رئيسية قد تواجه انقطاعاً في سلاسل الإمداد.
وفي الخلفية، تتوقع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تراجعاً إضافياً في المساعدات عالمياً بعد انخفاضها في 2024، ما يعني أن خفض تمويل برنامج الأغذية العالمي من مانح بحجم بريطانيا يأتي ضمن موجة أوسع لا تبدو قصيرة.
مسارات لاستعادة الثقة والفعالية
السؤال العملي هو ما الذي يمكن أن يحد من الأثر دون تجاهل قيود الموازنة. أحد الخيارات زيادة التمويل المرن غير المشروط، لأنه يمنح البرنامج قدرة أسرع على التحرك عندما تندلع أزمة جديدة أو يتغير سعر الغذاء عالمياً. خيار آخر هو إعادة ضبط حجم ما يُحسب من نفقات اللجوء ضمن ميزانية المساعدات، لأن هذا البند يحدد فعلياً ما يتبقى للعمليات الخارجية.
ويمكن لبريطانيا أيضاً أن تشرح معايير المفاضلة بين الأزمات بوضوح أكبر، حتى لا تُقرأ التخفيضات كاستجابة لضغوط سياسية قصيرة المدى.
في المحصلة، يبقى خفض تمويل برنامج الأغذية العالمي اختباراً لصورة لندن كفاعل دولي يوازن بين الأمن والإنسان. وهذا يضع سمعة بريطانيا تحت مجهر. ما ستقرره السنوات المقبلة أهم من التصريحات، لأن التمويل في هذا الملف لا يقاس بنية المانح فقط، بل باستمراره وقدرته على التنبؤ.
اقرأ أيضاً: بريطانيا في مواجهة شبح الجوع.. أزمة صامتة تطرق أبواب الملايين