يشهد عالم الطب باستمرار سباقاً محموماً لتطوير علاجات أكثر فعالية ضد السرطان، أحد أكثر الأمراض تعقيداً وخطورة على مستوى العالم. ورغم الإنجازات الكبيرة التي حققتها العلاجات المناعية خلال السنوات الماضية، ما تزال نسبة كبيرة من المرضى لا تستجيب لهذه العلاجات أو تفقد فائدتها مع مرور الوقت. وفي تطور علمي جديد، كشفت نتائج دراسة سريرية مبكرة عن دواء ذكي قادر على مساعدة الجهاز المناعي في التعرف إلى الخلايا السرطانية التي تنجح عادة في الاختباء من دفاعات الجسم، الأمر الذي فتح الباب أمام آمال جديدة بتحسين فرص العلاج لدى المرضى الذين استنفدوا معظم الخيارات العلاجية المتاحة.
كيف تختبئ الخلايا السرطانية عن جهاز المناعة؟
تعتمد العلاجات المناعية الحديثة على تحفيز الخلايا التائية، وهي أحد أهم عناصر جهاز المناعة، لمهاجمة الخلايا السرطانية والقضاء عليها. إلا أن المشكلة الرئيسية تكمن في قدرة بعض الأورام على التهرب من هذه الهجمات عبر آليات بيولوجية معقدة تجعلها غير مرئية تقريباً للجهاز المناعي. وقد تمكن باحثون في مدينة أكسفورد البريطانية من تطوير دواء جديد يحمل اسم “GRWD5769″، صُمم خصيصاً لمنع الخلايا السرطانية من استخدام ما يشبه “عباءة التخفي” التي تسمح لها بالاختباء داخل الجسم. ويعمل الدواء من خلال تثبيط إنزيم يعرف باسم “إERAP1″، وهو إنزيم تستغله بعض الأورام للتلاعب بآليات التعرف المناعي، ما يؤدي إلى كشف الخلايا السرطانية أمام الخلايا التائية وتمكين جهاز المناعة من رصدها ومهاجمتها بصورة أكثر فعالية.
اقرأ أيضاً: في بريطانيا: حقنة تختصر جلسات علاج السرطان الطويلة في دقيقة واحدة!!
نتائج مشجعة في ستة أنواع من السرطان
شملت التجربة السريرية 83 مريضاً من المملكة المتحدة وفرنسا وإسبانيا وأستراليا، جميعهم كانوا يعانون من أنواع مختلفة من السرطان، بينها سرطان الرئة وسرطان الأمعاء وسرطان الكبد وسرطان المثانة وسرطان عنق الرحم وسرطانات الرأس والعنق. وكان معظم المشاركين قد فقدوا الاستجابة للعلاجات السابقة ولم تعد أمامهم خيارات علاجية كثيرة. وخلال الدراسة جرى إعطاء المرضى الدواء الجديد إلى جانب علاج مناعي معروف، لتظهر النتائج تقلص الأورام لدى 26 مريضاً، بينما سجل 15 منهم انخفاضاً في حجم الأورام بنسبة تجاوزت 30 بالمئة.
كما أظهرت النتائج قدرة العلاج على إبطاء تقدم المرض لفترات وصلت إلى ستة أشهر أو أكثر لدى نسب متفاوتة من المرضى، وهو ما اعتبره الباحثون مؤشراً إيجابياً خاصة أن الدراسة ما تزال في مراحلها الأولى وأن المرضى المشاركين كانوا من الحالات الأكثر صعوبة وتعقيداً.
آفاق جديدة في مواجهة السرطان
يرى الباحثون أن أهمية هذا الإنجاز لا تكمن فقط في النتائج الأولية المشجعة، بل في الآلية الجديدة التي يعتمد عليها الدواء، والتي قد تمثل خطوة مهمة نحو زيادة فعالية العلاجات المناعية مستقبلاً. كما يتميز العلاج الجديد بكونه على شكل أقراص يمكن تناولها في المنزل، الأمر الذي يسهل استخدامه مقارنة ببعض العلاجات المعقدة الأخرى.
ومع ذلك، يؤكد الخبراء أن الطريق ما يزال طويلاً قبل اعتماد الدواء بشكل واسع في المستشفيات والمراكز الطبية، إذ يتطلب الأمر إجراء تجارب أكبر وأشمل للتأكد من فعاليته وسلامته على المدى البعيد. ورغم هذه التحفظات العلمية، فإن النتائج الحالية تبعث برسالة تفاؤل حقيقية للمرضى والأطباء، خاصة في مواجهة أنواع السرطان التي أظهرت مقاومة للعلاجات التقليدية، وتؤكد أن البحث العلمي ما يزال قادراً على تقديم أدوات جديدة في المعركة المستمرة ضد هذا المرض.