مقابلات
رائدة الأعمال لينا العلي لأرابيسك لندن: جشع المادة وجشع الهوية يسعيان بوقاحة نحو تدمير كوكبنا!
نشر
منذ 12 شهرفي
9٬568 مشاهدة
حاورها: محسن محسن
يحفل سجل رائدة الأعمال (لينا العلي) بالعديد من محطات النجاح المتنوعة التي تبرهن على قدراتها الذاتية ومهاراتها العملية والاستثنائية على أكثر من صعيد وميدان؛ إذ يتم تصنيفها من حيث الإدارة الريادية، كواحدة من أبرز المفكرات الاستراتيجيات في المجال المصرفي والاستثماري وإدارة الأعمال، وقد سبق لها العمل مع العديد من المنظمات الدولية غير الربحية عبر دول عدة في جنوب وجنوب شرق آسيا، وشمال أفريقيا والشرق الأوسط، وذلك عندما أكسبتها الخبرات المتراكمة في الحلول الذكية و الحفاظ على أصول العملاء في الأسواق الناشئة ـــــ على مدار أكثر من ثلاثين عاماً كسيدة أعمال وكمديرة لأحد الصناديق الاستثمارية ــــ سلسلة ممتدة من العلاقات الإقليمية والدولية، استطاعت من خلالها القيام بأدوار رئيسة في الحد من النزاعات الدولية، والعمل على دعم إقرار السلام وبناء الديمقراطية المستدامة عبر الحوكمة، إلى جانب قيامها بإبراز الجوانب الإيجابية لحقوق الإنسان وحقوق المرأة، وقيامها بتقديم العديد من الخدمات الاستشارية البناءة في مجال العمل الدولي والتنمية المستدامة والاستثمار المحافظ والجريء.
وتحظى العلي بمكانة صحفية مرموقة منذ أن خاضت تجربتها كرئيس تحرير وكاتبة وكناشرة متخصصة في التعرض لقضايا التفاهمات الإسلامية الغربية، خلال الفترة من 2005 وحتى 2012، حيث كان للشمولية المعرفية والإنسانية والحضارية التي تتمتع بها هذه الشخصية الريادية الخلاقة، الدور الأكبر في دعم حضور السمات الدينية المشتركة وتغليبها بين جميع الأديان المتعايشة في محيطها المجتمعي، وخاصة في المجتمعين البريطاني والأمريكي الذين تنتمي إليهما كمواطنة أصيلة بخلاف جنسيتها اللبنانية، كما كان لتعدد لغاتها وتنوع قدراتها اللسانية عبر أربع لغات عالمية هي العربية والإنجليزية والإسبانية والفرنسية، دور كبير في اندماجها الثقافي وتأثيرها الاجتماعي والروحي، خاصة بعدما احتل كتابها الأحدث (لا حقيقة بدون جمال:الله والقرآن وحقوق المرأة) والمنشور منذ العام 2022، قائمة الأكثر مبيعاً في منصات بيع الكتب العالمية، وهو الكتاب الذي يؤسس لنقاش حضاري وكوني يتسم بالجدة والثراء، ويساعد على تفنيد ظاهرة الإسلاموفوبيا ومبالغاتها في المجتمعات والدول الغربية، والذي يتركز في مجمله حول المساواة بين الجنسين، وحول تناقضات الأدب والتاريخ وقضايا المرأة في المجتمعات الإسلامية قياساً بحقائق النص القرآني المعجز..أرابيسك لندن حاورت سيدة الأعمال الملهمة (لينا العلي) فكان هذا اللقاء.
* بداية، ما المحصلة الفكرية والمعرفية والإنسانية التي اكتسبتها من البيئتين الثقافيتين في كل من لبنان والمملكة المتحدة؟
ــــ في الحقيقة، لقد تعلمت من تجربتي في الدراسة والعمل والعيش في المملكة المتحدة، أن أكون دقيقة في استخدام اللغة وتوظيفها، قبل كل شيء آخر. ولأني أحببت الإنجليزية وتأثرت كثيراً بمدى ميلها الرائع نحو الدقة والوضوح في الكلام، وجدت نفسي أحاول بشكل متزايد إضفاء هذا المستوى من الوضوح على خطابي باللغة العربية، وهو ما ساعدني حقيقة في مهمة صقل فهمي وإدراكي لطبيعة اللغة العربية ولكيفية توظيفها واستخدامها. وفي هذا السياق، لابد من الاعتراف بأن هذا التأثر الكبير بالحرص على الدقة والوضوح اللغويين، جعلني مع الوقت ربما غير متسامحة مع الأفكار الغامضة أو الملتبسة، بل ويدفعني دوماً إلى طلب الوصول إلى أقصى درجات الوضوح في أي مسألة أو قضية إنسانية، وهذا في الواقع ما يجعلني مفتونة بحساسية البريطانيين تجاه عبارات مثل (هذا ليس عدلاً it’s not fair) أو (بحسن نية in good faith)، كما يجعلني عاشقة للثقافة البريطانية فيما يخص مبادئ الإنصاف والعدالة، تلك التي كانت دائما قريبة جدا من قلبي.
* وأنت مولعة باكتساب لغات متنوعة كالعربية والإنجليزية والفرنسية والإسبانية.. ما المردود الحضاري المشترك الذي وجدته حاضراً خلف هذه البيئات اللغوية المختلفة؟
ــــ تعلم اللغات الأخرى والانغماس فيها اجتماعيا أو مهنياً (وهو الأهم)، يشبه السفر حول العالم دون الحاجة إلى تأشيرة؛ بمعنى أنك تتحرك وتتكامل بشكل أكثر سلاسة.
لقد كانت إحدى النعم العظيمة في حياتي أن تتاح لي الفرصة لتعلم عدة لغات، حيث كانت الدوافع والأجواء المحيطة بهذه التجربة رائعة وعظيمة. وكانت إنسانيتنا المشتركة على ما يبدو، هي أهم ما وجدته حاضراً خلف هذه البيئات اللغوية المختلفة، سواء ما يخص العادات أو طرق التحدث وأنماطها. لقد أحسست بقيمة التنوع البشري وجدواه، وبأنَّ اختلافنا في الثقافة والعرق واللغة والدين، هو في الواقع، جوهر إنسانيتنا وبشريتنا، وهو لآلئُ تجعل العالم أكثر جمالا وإثارة للاهتمام.

* كيف كانت الرحلة نحو تأليف كتابك (لا حقيقة بدون جمال:الله والقرآن وحقوق المرأة)؟ وما الظروف المحيطة بهذه الرحلة؟
ــــ تأليف هذا الكتاب شكل أروع تجربة في حياتي؛ فقد أحسست بقدر كبير من الفرح والسعادة أكثر من أي وقت مضى، كما بدوت وكأني طوال الوقت أقترب أكثر وأكثر من الله، ما يعني أنني أصبحت مستأنسة بارتباط روحي أفقدني الشعور بالوحدة أو السأم من إكمال مهمة الكتابة والتأليف، وعندما كنت أتعرض لبعض المسائل والقضايا العصية على الفهم السريع والواضح، كان التأمل والصلاة وقيام الليل، هو الملاذ والملجأ الذي يغيثني بالمساعدة وجلاء الأمور، حتى أنني في بعض الأحيان التي تتطلب الرد على سؤال ما، كنت أجد الأثر الإيجابي للهدوء والتأمل والسكينة سريعاً، بل ربما وجدت الرد حاضراً في ذهني كإلهام هابط من السماء، يطمئن له القلب وتنفتح له السريرة، ويجد صداه الراسخ من الإقناع والصوابية، ما كان يغمرني بساعدة غير مسبوقة. وهو ما جعلني مجملاً، أسترجع أهمية التأمل في حياتنا، وأتعجب من نسياننا الجماعي لما يحتله التأمل من قيمة ومكانة كبيرة في الدين الإسلامي، على الرغم من معرفتنا أن نبي الإسلام بدأ رسالته بالذهاب في خلوات تعبدية وتأملية داخل كهف جبلي (غار حراء) بانتظام، حتى ظهر له (جبرائيل) كبير الملائكة، بل إنه لم يتوقف عن هذه الخلوات حتى بعد بدء مهمة التبليغ التي استمرت لاحقاً على مدار ثلاثة وعشرين عاماً، إذ أنه ظل يتعبد في غرفته الصغيرة ببيت زوجه خديجة.. لقد علمتني تجربتي في تأليف هذا الكتاب، أهمية الاقتداء بنبي الإسلام في الأناة والتأمل الصامت وعدم التسرع في إصدار الأحكام، وبالالتزام بأخذ الوقت الكافي والمناسب للتفكير والبت في مسألة معينة، وهو ما يشعرني دوماً بجدوى ضرورة جلوسنا المتكرر بضع دقائق بعد الصلاة لننعم باستقبال إلهام الله لنا.
* ولكن ماذا كان دافعك الشخصي والإنساني لتأليف هذا الكتاب؟
ــــــ بعد السفر لسنوات عديدة حول العالم للعمل، أصبح من الواضح لي وجود مغالطات عديدة ومفاهيم خاطئة حول حقيقة ما يخبر به القرآن عن العديد من القضايا، بما في ذلك قضايا المرأة. ولأن مثل هذه المغالطات والمفاهيم الخاطئة، كان من شأنها حرمان الكثيرين من الانخراط في الأخذ بأنماط لا حصر لها من الرخص والمباحات والحلول والإصلاحات التي يسمح بها التشريع الإسلامي، وذلك بدافع الخوف من احتمالية أن يكون اللجوء إليها مخالفاً لتعاليم الدين، ومن هنا كان دافعي نحو تأليف هذا الكتاب، بهدف تصحيح هذه المفاهيم وإيضاح موقف الإسلام منها، حيث اعتمدت آلية جمع آراء كبار العلماء النابهين حول قضايا المرأة والقرآن، لتكون متاحة ومتعاضدة بحيث يسهل البناء عليها في استنتاج الأحكام والمفاهيم الصحيحة بشأن تلك القضايا، وبالطبع كنت حريصة على أن تكون أفكاري وطروحاتي الجديدة التي أبرزتها في الكتاب واضحة وجلية وغير مختلطة بالآراء والطروحات الخاصة بهؤلاء العلماء، بحيث قررت تغطية جميع القضايا التي تعامل فيها النساء بشكل مختلف عن الرجال والتي تنسب عادة إلى القرآن أو الإسلام، والتي شكلت سبعة عشر موضوعا في المجموع، بما فيها قضايا تبعية الزوجات للأزواج، والحق في الطلاق، والقيادة السياسية والدينية، وحقوق الميراث، والشهادة القانونية، والعنف المنزلي، إلى غير ذلك. وبصفة عامة، يهدف الكتاب إلى أن يكون مرجعاً شاملاً وسهل الاستخدام لأي شخص يبحث عن إجابات.

* إلى أي حد أنت راضية عن حقوق المرأة في العالمين العربي والإسلامي؟ وكيف تقارنينها مع حقوق المرأة في المجتمعات الدولية الأخرى؟
ــــ لقد تراجعت المجتمعات الإسلامية من كونها متقدمة على بقية العالم بقرون ــــ إن لم يكن بأكثر من ألف عام ـــ في بعض القضايا مثل حقوق الطلاق، حقوق الملكية والميراث، وحتى الزواج المدني أو بين الأديان، إلى التخلف عن الركب والعودة إلى مفاهيم وسلوكيات ما قبل الإسلام، ومن المحزن أن نقول ذلك، ولكن المفارقات سلبية وصادمة حول الكثير من القضايا، والتي يأتي في مقدمتها مظاهر التقييد والتزمت غير المبرر والتي قد تصل في بعض الأحيان إلى حد تشويه سمعة النساء، وللأسف معظم هذه المظاهر قادمة من الشرق الأوسط ويتم تصديرها إلى أجزاء ومناطق أخرى حول العالم، والأكثر فظاعة من كل ذلك، هو أننا بدلاً من أن نلوم أنفسنا على ضيق أفقنا ومحدودية خياراتنا في فهم الدين والتدين، نوجه لومنا واتهاماتنا إلى الدين، وهي نتيجة مخيبة للآمال على كل حال.
* وأنت خبيرة في شؤون الاستراتيجية المالية والاستثمارية .. بأية عين تنظرين إلى العلاقة القائمة عالمياً بين المرأة والمال من حيث عوامل التأثير والتأثر؟
ــــ من واقع تجربتي المهنية المقننة، وتجربتي الحياتية الأكثر براحاً واتساعاً، أقول إن العلاقة بين المرأة والمال يصعب الاعتماد على التعميم في توصيفها أو البت بشأنها؛ حيث توجد دائماً حالات متطرفة في كلا الجانبين، ولكني بصفة عامة وجدت أن النساء يميلون في الغالب إلى تدبير المال والتصرف فيه بحكمة وترشيد، وبالطبع الأمر سيكون مختلفاً عندما نتحدث عن شريحة أخرى من نساء تربين في بيئات ثرية وتوافر لهن مستويات رفيعة من حرية البذخ والإنفاق، وهذه الفئة الأخيرة أقل بكثير جداً من الأولى؛ فلا تزال الأكثرية من النساء يعملن بجد لكسب لقمة العيش، ويكافحن من أجل تحصيل بعض ما يحصله الرجال، وحتى عندما يشغلن نفس الوظيفة التي يشغلها الرجال، فإنهن يتحصلن دائماً على أجور أقل بكثير من أجور الرجال، على الرغم من تفوقهن في تجويد وتحسين الأعمال بشكل يفوق مهارة الجنس الآخر، وهي مظاهر واضحة من عدم المساواة المنتشرة عالمياً بين الجنسين، والتي يتم حالياً مكافحتها وحصارها في المجتمعات الغربية عبر الدعوة إلى المساواة في الأجور.
* ما القناعات الأبرز التي خرجت بها إنسانياً وثقافياً من خلال نشاطك كسيدة أعمال اجتماعية ومديرة صندوق لأكثر من ثلاثين عاماً؟
ـــ بعد أكثر من 30 عاما في التمويل والأعمال وريادة الأعمال الاجتماعية، أود أن أقول إن أعمق قناعاتي هي أنه إذا حاولنا جميعا الاستماع بعمق أكبر قبل أن نتحدث، وإذا حاولنا أن نتخيل أننا في مكان الآخرين، وإذا تركنا هوسنا المجتمعي بـ(الفوز) من خلال فهم أن المشاركة وإيجاد أرضية مشتركة يمكن أن يؤدي إلى نتائج مربحة للجانبين بدلاً من سيادة منطق الفوز والخسارة، فسيكون العالم مكانا أفضل بكثير في كل مجال من مجالات الحياة.

* كخبيرة في الفكر الاستراتيجي الإنساني، لماذا برأيك تتجه مسارات الأنشطة الدولية نحو المزيد من إهدار حقوق البشر في كوكبنا؟ وكيف يمكننا تصحيح تلك المسارات؟
ــــ في الواقع، لقد تآكلت حقوق الإنسان الدولية في السنوات الأخيرة بطريقة مذهلة وصادمة تماما، وأشعر أن السبب في ذلك هو التبني الشامل للجشع باعتباره شارة شرف بطريقتين: (الجشع المادي) الذي يمتد دون رادع إلى حد تحميل كوكبنا ما لا يطيقه عبر مواصلة الهدم والتدمير وإساءة الاستخدام بدلاً من البناء والإصلاح والتنمية. و(جشع الهوية)، حيث يسعى الكثيرون بوقاحة ودون خجل إلى الحصول على قوة حصرية وميزة من كل نوع لأنفسهم ثم لأولئك الذين ينتمون إليهم عرقاً ولوناً وديناً.
* في الختام، ما تقييمك لدور المنظمات غير الربحية في إقرار الأمن الإنساني والتخفيف من النزاعات؟
ــــ الكثير من الحكومات لا تعطي الأولوية لحق مواطنيها في توفير حياة كريمة بكل معنى الكلمة، ومن ثم، تلعب المنظمات غير الربحية دورا رئيسياً في سد الثغرات التي تخلفها تلك الحكومات، بداية بالأمان الفردي وحرية الاختيار وانتهاءً بدعم القدرة على الإبداع والإنتاجية. وإجمالاً، يحمل الإبقاء على تمويل مثل هذه المبادرات عبر مصادر خارجية، إشعاراً صريحاً للحكومات بضرورة القيام بمسؤولياتها وبدورها من أجل توفير بيئة بناءة ومستقرة تساعد على ازدهار شعوبها.
اقرأ أيضاً: أحمد خاطر يتحدث لأرابيسك لندن: لماذا أرفض أن يكتب الذكاء الاصطناعي عن مشاعر البشر؟
اقرأ أيضاً: قانون تعريف المرأة يثير جدلاً كبيراً في بريطانيا
قد يعجبك ايضاً
تهديدات قضائية في مواجهة الصحافة: أين تقف حرية الإعلام في بريطانيا؟
أعمال بانكسي تكلف بريطانيا 150 ألف جنيه إسترليني.. الفن أم التخريب؟
حرائق الغابات تتمدد مع موجات الحر.. فرق الإطفاء أمام صيف استثنائي
130 مليون جنيه تمويلًا لسيارات المستقبل.. استدامة بيئية ونجاح صناعي
بريطانيا أول دولة أوروبية تجيز حبة orforglipron: هل تكون الحل السحري لعلاج السمنة؟
الذهب المرمّز بالبلوك تشين.. لماذا تريد لندن رقمنة سوق الذهب؟
30% من مصانع بريطانيا تحت الهجوم.. هل يهدد القراصنة الاقتصاد البريطاني؟
ملايين البريطانيين أمام احتمال انقطاعات كهرباء طارئة والسبب؟
بريطانيا: عشرون عاماً في السجن بسبب تهديد بمسدس ألعاب!
