يعكس سوق العمل في اسكتلندا صورةً متباينة نوعاً ما، حيث ارتفع كلٌّ من معدلي التوظيف والبطالة، بالتزامن مع انخفاض معدل الخمول الاقتصادي، وهذا ما يشير إلى زيادة عدد المشاركين في سوق العمل، رغم استمرار التحديات في استيعاب جميع الباحثين عن فرص توظيف.
إذاً، لا يزال سوق العمل بحاجة إلى سياسات قادرة على سدّ الفجوة بين تزايد أعداد الباحثين عن عمل، وتوفير وظائف تستوعبهم، وهنا تجدر الإشارة إلى ضرورة مراعاة شريحة واسعة من “غير النشطين اقتصادياً“، الذين يبتعدون عن سوق العمل لأسباب متعددة، من بينها الأمراض طويلة الأمد أو التقاعد المبكر أو حتى مسؤوليات الرعاية، وفقاً لتحليلات مركز العدالة الاجتماعية (Centre for Social Justice – CSJ).
بيانات سوق العمل في اسكتلندا
وفقاً لأحدث بيانات مكتب الإحصاءات الوطنية البريطاني (Office for National Statistics – ONS)، التي تغطي الأشهر الثلاثة المنتهية في مايو 2026، فقد ارتفع معدل البطالة في اسكتلندا بالتوازي مع ارتفاع معدل التوظيف أيضاً.
فقد سجلت نسبة التوظيف نحو 74.3% خلال الفترة الممتدة من مارس وحتى مايو 2026، محققةً زيادة قدرها 0.3 نقطة مئوية مقارنةً بالربع السابق.
كذلك الأمر بالنسبة لمعدل البطالة، فقد ارتفع إلى 4.7% ليسجل زيادة قدرها 0.5 نقطة مئوية عن الربع الأول، وهو قريب جداً من توقعات الاقتصاديين، الذين رجحوا بقاءه على الاتجاه الهيكلي ذاته البالغ 4.1% خلال السنوات القادمة، وهذا ما يُفسَّر بتراجع نسبة المصنفين ضمن فئة “غير النشطين اقتصادياً”، التي سجلت بدورها انخفاضاً بنحو 0.8 نقطة مئوية.
فارتفاع البطالة في اسكتلندا يرتبط بانخفاض أعداد غير النشطين اقتصادياً، فمن الممكن أن تكون عودة المزيد من الأشخاص إلى سوق العمل، أدت إلى زيادة حجم القوى العاملة الباحثة عن وظائف، في وقت لم يكن نمو فرص العمل كافياً لاستيعاب جميع الداخلين الجدد، ما أفضى في النهاية إلى ارتفاع معدل البطالة رغم تحسن معدل التوظيف.
ووفقاً للتعريف الدولي، يُصنّف الشخص عاطلاً عن العمل فقط إذا كان دون وظيفة، ومتوفراً للعمل، ويبحث بنشاط عن فرصة عمل، أما من لا يبحث عن وظيفة أو لا يستطيع البدء بها خلال الفترة المحددة، فيُدرج ضمن فئة غير النشطين اقتصادياً، ويعود ذلك لعدم بحثهم عن وظيفة خلال الشهر الماضي، أو لعدم قدرتهم على البدء بالعمل خلال الأسبوعين التاليين.
بالعودة إلى بيانات عام 2025، يتبين أن سوق العمل في اسكتلندا مرّ بفترة متذبذبة وصعبة على الباحثين عن فرصة عمل، حيث انخفض معدل التوظيف بنحو 0.6 نقطة مئوية، مقابل ارتفاع معدل البطالة بنحو 1.3 نقطة مئوية، كذلك تراجعت نسبة الفئة المصنفة بغير النشطين اقتصادياً.
هذه الأرقام تتحدث عن الحالة المتراجعة لسوق العمل في اسكتلندا خلال العام الماضي، وهذا ما يدل على وجود ضغوط متزايدة تحدّ من القدرة على توفير فرص عمل، تستوعب جميع الباحثين عن وظائف، فرغم انخفاض عدد غير النشطين اقتصادياً، إلا أن المشكلة لا تزال موجودة، وهي عدم القدرة على تحقيق التوازن بين زيادة المعروض من القوى العاملة وحجم الطلب على العمالة.
وعلى الرغم من تحسن بعض المؤشرات خلال عام 2026، إلا أن ارتفاع معدل البطالة يدلّ على استمرار التحديات، والتي تتمحور حول قدرة السياسات الاسكتلندية على استيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل.
مؤشرات إيجابية على الصعيد الوطني
المؤشر الإيجابي الذي يميز سوق العمل في اسكتلندا، أنه جاء في المرتبة الثانية من حيث معدلات التوظيف، وذلك بعد إنجلترا التي سجلت 75.4%، محققاً التقدم على كلٍّ من إيرلندا الشمالية وويلز.
كذلك الأمر بالنسبة لمعدل البطالة، فهو أقل من متوسط البطالة المملكة المتحدة، حيث جاءت اسكتلندا في المرتبة الثانية بعد إنجلترا أيضاً، أي إن أداء السوق الاسكتلندي أفضل نسبياً على الصعيد الوطني رغم التحديات.
ووفقاً للبيانات الرسمية، تُعد اسكتلندا من أقل الدول في المملكة المتحدة من حيث نسبة غير النشطين اقتصادياً، فقد سجلت نسبتهم نحو 21.8%، لتحتل بذلك المرتبة الثانية بعد إنجلترا (20.5%)، وتليها ويلز بنسبة 23.6%، وإيرلندا الشمالية التي سجلت نسبة 26.5%.
نمو الأجور في اسكتلندا يمنحها ميزةً تنافسية
أما بالنسبة لنمو الأجور في اسكتلندا، فعلى الرغم من تباطؤ وتيرته، إلا أنه لا يزال يتجاوز متوسط النمو المسجل في المملكة المتحدة، وهذا ما يُعتبر قوةً تنافسيةً نسبية على المستوى الوطني.
ووفقاً لبيانات شهر يونيو 2026 في اسكتلندا، سجل متوسط الراتب الشهري الذي يخضع لنظام PAYE نحو 2672 جنيهاً إسترلينياً، محققاً زيادةً سنوية بمقدار 4.7%، مقارنة بنحو 4.3% في المملكة المتحدة.
تحديات أمام سوق العمل الاسكتلندي
اليوم، ومع اقتراب تطبيق المزيد من بنود قانون حقوق العمل 2025، ستواجه الشركات عدة تحديات قد تنعكس على سوق العمل في اسكتلندا، فأصحاب العمل والمنشآت سيحتاحون إلى التكيف مع قواعد جديدة، يُحتمل أن تؤثر في طريقة التوظيف وإدارة الموظفين.
في المقابل، ستوفر هذه القواعد حمايةً أكبر للعمال، فضلاً عن تعزيزها لدور النقابات في تحسين بيئة العمل، وفقاً للبيانات الرسمية المتاحة، بالتالي تكون الشركات أمام تحدّ جديد، يتمثل بالمحافظة على الموظفين والتعامل مع المتغيرات بشكل صحيح، للحفاظ على استقرار سوق العمل خلال الفترة المقبلة.
يبدو أن سوق العمل الاسكتلندي يدخل مرحلةً دقيقةً، تجمع بين مؤشرات تحسن واضحة وتحديات لا تزال قائمة، فارتفاع معدلات التوظيف وانخفاض الخمول الاقتصادي، يشيران إلى زيادة المشاركة في سوق العمل، إلا أن ارتفاع البطالة يؤكد استمرار الحاجة إلى حلول أكثر فاعلية لضمان استيعاب الجميع.
اقرأ أيضاً: “أزمة صامتة”.. خطط حكومية لاحتواء البطالة وإعادة العاطلين إلى سوق العمل