شرق لندن لا ينسى: كيف تتجدد معركة اليمين المتطرف في لندن؟
تابعونا على:

أخبار لندن

كيف تتجدد معركة اليمين المتطرف في لندن؟

نشر

في

976 مشاهدة

كيف تتجدد معركة اليمين المتطرف في لندن؟

يتقاطع زمنان على أرصفة وايت تشابل: ظلّ «كيبل ستريت» الذي أسقط زحف القمصان السوداء عام 1936، وصدى تحشيد معاصر يريد إعادة سرد الحكاية بنبرة أشد خشونة. في الأحياء التي صاغتها موجات الهجرة والعمل واللغة والأطعمة والصلوات، لم تعد المعركة مع اليمين المتطرف في لندن سؤالاً تاريخياً، بل اختباراً يومياً لقدرة مدينة كبرى على حماية تعايشها من خطاب إقصائي سريع الانتشار، متقن الترويج، ومتصل بمنصات رقمية تصنع جمهورها في ساعات.

اليمين المتطرف في لندن: من «كيبل ستريت» إلى اليوم

معركة كيبل ستريت كانت لحظة فارقة؛ تحوّل فيها الشارع إلى متراس جمع نقابيين وشيوعيين ويهوداً وسكاناً عاديين، ليمنعوا مسيرة أوزوالد موزلي في قلب إيست إند. انتهى اليوم بإجهاض المسيرة وبقانون النظام العام لعام 1936، لكن الأهم أن الذاكرة المحلية كرّست قاعدة بسيطة: لن يمروا. هذه الحقيقة الموثقة في سجلات وأفلام أرشيفية لا تزال تُستعاد في كل موجة توتر جديدة تهبّ على الشرق اللندني.

الراهن الملتهب: لماذا عاد الاستقطاب إلى إيست إند؟

في 25 تشرين الأول 2025، فرضت شرطة العاصمة قيوداً تمنع حزب استقلال المملكة المتحدة (UKIP) من تنظيم تجمّعٍ وصفه منظموه بـ«حملة صليبية» تستهدف «استعادة» وايت تشابل، مع توقّع احتجاجات مضادّة واسعة. القرار استند إلى تقدير «احتمال وقوع اضطرابات خطيرة» إذا مضت الفعالية في موقعها المقترح داخل مقاطعة تاور هامليتس. هكذا أُعيد تفعيل القانون ليحمي الجغرافيا الاجتماعية الأكثر حساسية في المدينة.

لكن المشهد لا يُختزل في يوم المنع. فخلال الشهور الماضية، غذّت منشورات مؤثرين يمينيين وخطابات سياسية سريعة الاشتعال حالة استقطاب حول هوية الحي، وصولاً إلى محاولات استعراض القوة في الشارع.

هنا يستعيد أهالي إيست إند ذاكرة «المقاومة المدنية» المتراكمة منذ ثلاثينيات القرن الماضي، ويتحركون ضمن ائتلافات محلية لرفض تحويل أحيائهم إلى مسرح لرسائل استعراضية عابرة. تقرير «الغارديان» يصوغ هذا الإحساس بوضوح: التاريخ يكرّر نفسه، لكن أدوات المواجهة تطوّرت؛ فالشرطة تمنع مسيرة، والمجتمع يعيد تنظيم صفوفه، والجدل العام ينزاح نحو أسئلة التماسك المدني، لا سباق الشعارات.

مجتمعٌ يصوغ دفاعه: أرقام ودلالات

تاور هامليتس اليوم أصغر سناً من أي منطقة أخرى في إنجلترا وويلز؛ الوسيط العمري 30 عاماً، مع تنوع إثني وديني استثنائيين، وكثافة سكانية من الأعلى وطنياً. تلك البنية الديمغرافية تجعل الحي مختبراً صعباً وساحراً في آن: صعب لأنه عرضة لاستهداف خطاب الهوية؛ وساحر لأنه يمتلك طاقة اندماج عالية تحوّل التعدد إلى مورد حضري. هذه المؤشرات ليست سردية إنشائية، بل حقائق موثقة في «الملف التعريفي 2024» للمجلس المحلي.

وفي مقابل «العرض العضلي» لليمين، اختارت البلدية وأهالي الحي لغة الفرح كأداة سياسية: مهرجانات طعام وموسيقى ورقصات تعكس تاريخ الهجرة في المنطقة، وعودة «مهرجان الكاري» في بريك لاين، ورسائل متكررة بأن 90% من السكان من خلفيات مختلفة يقولون إنهم «يتعايشون جيداً معاً».

حين تتحول الساحات إلى منصّات احتفال بالاختلاف، يفقد التحريض جزءاً من مفعوله، ويجد الوافدون الجدد أنفسهم داخل سردية إيجابية، لا في خانة الدفاع الدائم عن شرعية وجودهم.

ما الذي نتعلمه من الجولة الجديدة؟

أولاً، معركة الهوية تُحسم بالنَّفَس الطويل: ائتلافات المجتمع المدني، المساجد والكنائس والمعابد، المدارس وجمعيات النساء والشباب، كلها تصنع شبكة أمانٍ ناعمة لكنها متينة. ثانياً، القانون ضرورة دفاعية لا غاية؛ منع التجمّعات المحفوفة بالمخاطر يخفّف الاحتكاك، لكنه لا يُغني عن مواجهة الأفكار ذاتها عبر خطاب عمومي هادئ ومقنع. ثالثاً، الذاكرة المحلية رصيد تعبئةٍ فعّال: من كيبل ستريت إلى اليوم، يعرف الشرق اللندني كيف يحوّل الحكاية القديمة إلى بوصلةٍ أخلاقية، ويعيد تذكير الجميع بأن اليمين المتطرف في لندن ليس قدراً، بل موجة تُكسَر في كل مرة على صخرة الجيرة والعمل المشترك.

ولعلّ أهم الدروس أن سردية الكراهية تنهزم حين تجد أمامها سرديةً أشمل عن المدينة كبيتٍ يتسع للجميع؛ بيتٌ تحرسه مؤسسات يقظة ومجتمع فخور بتعدده.

اقرأ أيضاً: تومي روبنسون: القصة الكاملة لزعيم اليمين المتطرف في بريطانيا
















X