شركات الأدوية تنتصر على بريطانيا.. هل انتهى عصر العلاج الرخيص؟
تابعونا على:

مال وأعمال

بريطانيا تخسر المعركة ضد شركات الأدوية.. هل انتهى عصر العلاج الرخيص؟

نشر

في

2٬916 مشاهدة

بريطانيا تخسر المعركة ضد شركات الأدوية.. هل انتهى عصر العلاج الرخيص؟

تواجه الحكومة البريطانية أزمة متزايدة مع سوق صناعة الأدوية العالمية، وذلك نتيجة مجموعة متشابكة من العوامل، أبرزها جمود نموذج التسعير البريطاني، وتغير الديناميكيات في السوق العالمية بفعل السياسة الأمريكية، بالإضافة إلى تعقيد الإجراءات التنظيمية في المملكة المتحدة.

جذور الأزمة: نموذج تسعير ثابت في عالم متغير

إن إحدى المشاكل الرئيسية في نموذج تسعير الأدوية الذي تتبناه الحكومة البريطانية هو أنه لا يتناسب مع متغيرات السوق العالمية. حيث أن المؤسسة الوطنية للتميز في الصحة والرعاية (NICE) قامت بتحديد قيمة معدل “سنوات الحياة المعدلة بالجودة” (QALY) بما يتراوح بين 25,000 إلى 30,000 جنيه إسترليني، وذلك قبل عقدين من الزمن، ومنذ ذلك الحين لم يطرأ أي تغيير على هذا الرقم على الرغم من التضخم وارتفاع التكاليف في كافة القطاعات الأخرى. ونتيجة لذلك، أصبحت شركات الأدوية أقل حماساً لطلب الموافقة على أدويتها الجديدة في بريطانيا، لأن الأسعار المتاحة لا تغطي التكاليف أو تحقق الربح المطلوب.

كما أن شركات الأدوية تواجه ضغطاً كبيراً في السوق البريطاني مما يجعلها غير راغبة في الاستثمار به، وذلك نتيجة أنها قد تضرر للدفع للحكومة البريطانية في حال تجاوزت مبيعات الأدوية للـ NHS حداً معيناً. ويعود السبب في ذلك إلى نظام “VPAG”، والذي هو نظام طوعي لتسعير الأدوية ذات العلامات التجارية وإمكانية الحصول عليها.

تغير المشهد العالمي: دور أميركا وترامب

كانت بريطانيا، على مدى سنوات طويلة، قادرة على التفاوض من أجل الحصول على أسعار أدوية منخفضة، وكان الفضل في ذلك يعود إلى مركزية هيئة الخدمات الصحية الوطنية (NHS). إلا أن الواقع الحالي لم يعد يسمح لشركات الأدوية بتقديم الخصومات المعهودة التي كانت تقدمها لبريطانيا دون أن تتأثر أرباحها بشكل كبير.

ويُشار إلى أن السبب في ذلك، يعود إلى سياسة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، الذي شدد على فكرة أن على شركات الأدوية أن تخفض أسعارها في أمريكا لتتوافق مع أدنى الأسعار التي تقدمها للدول المتقدمة الأخرى، وذلك على اعتبار أن الولايات المتحدة هي أكبر سوق للأدوية في العالم.

وبالتالي، بالاعتماد على هذا المبدأ، فإن أي تخفيض تقدمه شركات الأدوية لبريطانيا، يجب أن يقابله تخفيض لأسعارها في أمريكا أيضاً، وهو ما سيؤثر على أرباحها بشكل هائل. ولهذا، أصبح خيار الشركات هو رفع الأسعار في بريطانيا بدلاً من المخاطرة بخسارة جزء كبير من أرباحها في السوق الأمريكية الضخمة.

ونتيجة هذه المتغيرات، بات قدرة بريطانيا على التفاوض قليلة، وأصبح سعيها للحصول على أدوية رخيصة أمراً صعباً للغاية.

التحديات التنظيمية والابتكار

لا تقتصر مشكلة بريطانيا مع شركات الأدوية على موضوع الأسعار فقط، بل تشمل أيضاً تعقيد وبطء الإجراءات التنظيمية. فعلى الرغم من أن اللوائح الصارمة ضرورية لضمان سلامة الأدوية، إلا أن بطئها وتكلفتها الهائلة تعيق الابتكار وتقلل من توافر الأدوية في المملكة.

وفي هذا الصدد، يُشار إلى أن شركات مثل “نوفو نورديسك – Novo Nordisk” و”إيلي ليلي – Eli Lilly”، والتي قامت باستثمار مليارات الدولارات في بناء مصانع جديدة، تجد صعوبة في مواكبة الطلب بسبب القيود التنظيمية التي تبطئ عمليات الإنتاج.

ومن الجدير بالذكر، أنه حتى بعد الموافقة على تصنيع الأدوية، تظل هناك قيود تنظيمية إضافية تتعلق بالتعبئة والتغليف، والتي تضيف ملايين الدولارات إلى التكلفة وتؤخر إنتاج الأدوية، مما يؤدي إلى ارتفاع أسعارها في النهاية.

الخلاصة: التكيف مع الواقع الجديد ضرورة وليس خيار

تجد بريطانيا نفسها اليوم محاصرة بين نموذج تسعير بات قديماً وواقع جديد لسوق الأدوية العالمي، تفرض فيه الولايات المتحدة شروطها. حيث لم تعد بريطانيا قادرة بما يكفي على التدخل في وضع القواعد في السوق العالمية، وأصبح سعيها للحصول على أدوية أرخص هو الهدف الأساسي.

اقرأ أيضاً: أدوية تنحيف ضمن الأدوية عالية الخطورة! تعرف عليها

ومن أجل النجاة من هذه الأزمة، لابد للحكومة البريطانية من العمل على بناء نهج أكثر مرونة وكفاءة. وعلى الرغم من الوقوف ضد شركات الأدوية الكبرى قد يكون مغري من الناحية السياسية، إلا أن الوضع الراهن يفرض على بريطانيا ضرورة التكيف مع المتغيرات.

X