منية كواش – صابر الرباعي يفتتح الدورة ستين لمهرجان قرطاج الدولي بحفل جماعي وتآزر فني
افتتح مهرجان قرطاج الدولي دورته الستين بتاريخ 16 يوليو 2026 بحفل لأمير الطرب العربي صابر الرباعي، أعدّه وفق تصوره ورؤيته الفنيّة، واختار بنفسه ضيوفه حتى يكون الحفل متناغماً مع رمزية ودلالات مهرجان، بلغ دورته الستين، فأثبت عراقته وديمومته فصار أكيداً الحفاظ عليه بامتداده وتواصله.
إحتفال بصيغة الجمع
لم يحتكر الفنان صابر الرباعي افتتاح الدورة ستين من مهرجان قرطاج الدولي ولم يحتف بها لوحده من خلال أدائه لأغانيه فقط، بل ارتأى احتفاءً جماعياً لما تحتاجه هذه الدورة من احتفال خاص، يضاهي قيمتها. لذلك أشرك صابر الرباعي معه وجوهاً فنيةً مختلفةً، اختارها بنفسه، من الجيل الجديد ومن الأجيال السابقة التي تركت بصماتها في المشهد الثقافي التونسي.
فمنح الفرصة للشباب ومكّنهم من الصعود لأول مرة على مسرح مهرجان قرطاج الدولي، مقتنعاً بضرورة إسناد الأصوات الواعدة وتهيئتهم ليتسلموا المشعل ويواصلوا بناء المشهد الفني للحفاظ على عراقة وقيمة المهرجان. كما احتفى بقامات فنية من الماضي والحاضر، في لمسة وفاء واعتراف بإنجازاتهم وبما تركوه من مكتسبات فنية، مؤمنا بأن الإرث الفني لا يصنعه جيل واحد بل هو نتاج صيرورة مستمرة وتراكم جهود متواصلة لأجيال متعاقبة.
“ذكرى محمد” الحاضرة الغائبة في الحفل
بدا حفل صابر الرباعي حفلا غنائيا، بأدوات بصرية، وفرجوية، صنعت حركية وحيوية على الركح وأخذت الجمهور في رحلة مسترسلة، فقد قدّم الفنان صابر الرباعي أغان من الماضي، وأخرى من الحاضر، لاقتناعه بأن الفنان”يتأثر بمن سبقه من الفنانين ويؤثر في من سيأتي من بعده.”
هذا ما جعله يمنح مساحة من حفله إلى الفنانة الراحلة ذكرى محمد ويشرّكها رغم غيابها، فكانت حاضرة بصورتها وابتسامتها وصوتها وفق اخراج موسيقي بتطبيقة الذكاء الاصطناعي. غنى أيضاً الفنان صابر رفقة ضيفيه الفنانين الشابين ملكة الشارني وأحمد الرباعي مقاطعاً من أغنيتيها:”الأسامي هي هي” و”يوم ليك ويوم عليك” فردّدها الجمهور، مسترجعاً ومتذكراً ذبذبة وترنيمة صوت ذكرى، الفنانة التونسية الراحلة.

لمسة وفاء للفنان لطفي بوشناق
وليكون وفياً لرؤيته الفنية، استضاف صابر الرباعي الفنان لطفي بوشناق بوصفه إحدى القامات الفنية التي أثرت المشهد الثقافي واستحقّت الصعود على مسرح قرطاج مرّات عديدة، ومثّلت الأغنية التونسية في المحافل العربية. فغنّى لطفي بوشناق أغنية الفنان الراحل “الصادق ثريّا” “كي يضيق بيك الدهر يا مزيانة”، مذكّراً بأن الإرث الفني لا يصنعه جيل واحد بل يشترك في صنعه فنان من الماضي وآخر من الحاضر ويكمله ثالث في المستقبل.
كما ترافق صابر الرباعي ولطفي بوشناق في”ديو” وتبادلا الأغاني فأدى لطفي بوشناق أغنية صابر “يا دلّولة” وغنّى صابر أغنية لطفي “ريتك ما نعرف وين” وأشركا معهما أيضاً فنانين من الجيل الصاعد: “بثينة النابولي” و”محمد علي شبيل” و”ملكة الشارني” و”أحمد الرباعي”، وفسحا لهم المجال ليطلقوا العنان لأصواتهم الواعدة، مكتفيان بالاستماع اليهم، معبران لهم بإيماءات الوجه عن إعجابهما بأصواتهم.
الشاب خالد ضيف مغاربي عربي
استضاف الفنان صابر الرباعي أيضاً الشاب خالد، ملك الراي الجزائري، ليشاركه احتفاءه بستينية المهرجان، في تذكير جليّ بتمسك المهرجان وباعتزازه ببعده المغاربي والعربي، فغنّيا معا أغنية “عبد القادر” المستقاة من التراث الجزائري وسيدي منصور المستمدّة من التراث التونسي.

حفل ببعد إنساني
قاد صابر الرباعي السهرة في افتتاح مهرجان قرطاج الدولي، ووزع الأدوار واستقبل الضيوف وأهدى كل واحد منهم باقة وعقداً من الياسمين وسمح لأصوات واعدة بالصعود لأول مرة على ركح قرطاج. كما كرّم البعض ممّن سبقوه من الفنانين فأضفى على حفله نفساً احتفالياً جماعياً ومنحه بعداً إنسانيا، معبراً عن اعتزازه بافتتاحه للدورة ستين لمهرجان قرطاج الدولي وعن فرحه بضيوفه وبجمهوره، مؤدّياً أغنيتيه “أنا شايخ و”أنا طاير”.
لم يبخل أيضاً على جمهوره بأغانيه الطربية والإيقاعية التي جاؤوا للمهرجان من أجل سماعها. لذلك بادلوه الفرحة فصفقوا وتمايلوا على نغما أغانيه:”تمنيت” و”عزالحبايب” و”عزت نفسي” و”مزيانة”.
كما تفاعلوا مع أداء وأغاني ضيوفه فلمّحوا له عن قبولهم لاختياراته ولطريقته في تأثيث حفله.
فرقة موسيقية بزي أبيض
وحرصا على التناسق بين الحفل والمناسبة رافقت صابر الرباعي فرقة موسيقية يقودها المايسترو قيس المليتي، تتكون من موسيقيين من مختلف الأعمار، كهولاً وشباباً، نساءاً ورجالاً، موحّداً بينهم زيّاً أبيضاً، تماهياً مع شعار الحفل: “تحت الياسمين” وما للياسمين من رمزية وإرتباط أزلي بالبلاد التونسية. كما عبّر هذا اللون على صفاء اللحظة الإحتفالية واقتناع المشاركين برمزية هذه الدورة وقيمتها فهي نتاج ستة عقود من العطاء الفني و الفرجة والإنفتاح على العالم.
هذا وقد أعلن الفنان صابر الرباعي في عدّة مناسبات عن نيّته اعتزال الغناء على المدى المتوسط، قائلاً: “لكل بداية نهاية”، إلّا أنّ حفله لإفتتاح الدورة ستين لمهرجان قرطاج الدولي أثبت أنه لا يزال قادراً على العطاء وعلى التجديد.
اقرأ أيضاً: شراء عقار في السعودية: دليل المشتري البريطاني