في خطوة تهدف إلى تعزيز التنمية الاقتصادية خارج العاصمة، كشفت وزيرة المالية راشيل ريفز عن خطط استراتيجية تمنح القادة المحليين صلاحيات مالية جديدة. هذه الخطوة تشكل نقلة نوعية نحو تعزيز النمو المتوازن عبر المدن والبلدات من خلال اللامركزية المالية، التي تمنح حكماً مالياً أوسع للمسؤولين المحليين للتحكم في حصة من الضرائب الوطنية.
ريفز تمنح صلاحيات موسعة للقادة المحليين ما التفاصيل
سيتم منح القادة المحليين صلاحيات للتحكم في حصة من بعض الضرائب الوطنية بموجب خطط جديدة كشفت عنها راشيل ريفز، في محاولة لتعزيز النمو في المدن والبلدات خارج لندن. وقد ضعت المستشارة تأمين الاستثمار في المناطق خارج العاصمة في صميم خطتها للنمو الاقتصادي، وذلك خلال إلقاء محاضرة في مدينة لندن يوم أمس الثلاثاء 17 مارس 2026.
وفي حديثها في كلية بايز للأعمال في لندن، قالت ريفز إنها طلبت من المسؤولين وضع خارطة طريق ” اللامركزية المالية ” المستقبلية، والتي يمكن أن تشمل منح صلاحيات للقادة المحليين للسيطرة على حصة من عائدات الضرائب الوطنية. وقالت إن الخطط ستنشر في إطار الميزانية في الخريف.
وأضافت: “لقد طلبت من المسؤولين لدي العمل مع رؤساء البلديات والشركات لوضع خارطة طريق لللامركزية المالية المستقبلية ليتم نشرها في ميزانية هذا العام“.
تشمل الخطط الجديدة منح القادة الإقليميين صلاحية التحكم في حصة من الضرائب الوطنية التي كانت تدار تقليدياً من قبل الحكومة المركزية. وستأخذ هذه الخطط في الاعتبار ضريبة الدخل إلى جانب ضرائب أخرى، مع التركيز في البداية على المناطق التي تتمتع بأكبر قدرة على الاستفادة من هذه الإصلاحات. وأوضحت السيدة ريفز أن نقل السيطرة على جزء من الضرائب الوطنية إلى القادة المحليين لن يؤدي إلى زيادة العبء الضريبي، مؤكدةً، أن الهدف هو خلق دولة تتيح لكل مواطن فرص النجاح والمساهمة، بغض النظر عن مكان نشأته أو اختياره للإقامة.
كما حددت ريفز مبلغ 2.3 مليار جنيه إسترليني من التمويل الجديد الذي سيتم نشره من قبل رؤساء البلديات في أكبر المناطق الحضرية، مع التركيز على الشمال والوسط، لدعم النمو وجذب الاستثمار الخاص. وشملت التدابير الأخرى التي كشفت عنها يوم الثلاثاء إعلاناً بمضاعفة التمويل لممر النمو بين أكسفورد وكامبريدج، وصلاحيات حكومية جديدة للاستملاك الإجباري لتعزيز البناء.
اقرأ أيضاً: الوضع في الشرق الأوسط ربما يحرج ريفز وخططها في الربيع
الأصداء حول تصريحات ريفز في عموم بريطانيا
قال معهد أبحاث السياسات العامة (IPPR) إن إعلان وزيرة المالية يمثل “تحولاً مرحباً به للغاية نحو إعادة التوازن للاقتصاد”.
تعتبر المملكة المتحدة من أكثر الدول الأوروبية تفاوتاً إقليمياً، حيث تتركز فرص العمل والتنمية في مدن مثل لندن وأكسفورد وكامبريدج. وأكدت الباحثة الرئيسية والرئيسة المؤقتة لمعهد أبحاث السياسات العامة في الشمال، أنه لا ينبغي للشباب في المناطق الشمالية أن ينظروا إلى الجنوب فقط ليحلموا بالنجاح.
من هنا، تأتي أهمية حزمة الاستثمار الجديدة التي تهدف، جنباً إلى جنب مع رسوم الزوار ومنح المزيد من الصلاحيات، إلى تمكين القادة المحليين في الشمال لجعله منافساً قوياً للجنوب. وقد تم تضمين خطة تعزيز النمو في جميع أنحاء بريطانيا كجزء من “الخيارات الثلاثة الكبرى” التي تضعها ريفز للعقد القادم.
وفيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي، قالت ريفز إن بريطانيا إما أن “تدفن رأسها في الرمال” أو “ترسم مسارها الخاص” عندما يتعلق الأمر بتطوير التقنيات الجديدة، حيث تعهدت باستثمار 2.5 مليار جنيه إسترليني. وحذرت من أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي قد ترك البلاد تواجه خطر “الوقوع في مأزق” بين كتلتين تجاريتين متنافستين، وأضافت أن خروج المملكة المتحدة من التكتل قد أثر على الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تصل إلى 8 في المائة. وقالت: “إن مصيرنا كدولة مرتبط بشكل لا مفر منه بمصير أوروبا”، وذلك أثناء عرضها لطموحات بناء “علاقة مستقبلية جديدة ومستقرة” مع بروكسل.
في سياقٍ متصل، تعهد رئيس الوزراء بإعادة ضبط علاقة بريطانيا مع بروكسل عندما تولى منصبه، ووعد بإعادة بناء العلاقات مع الاتحاد الأوروبي التي تضررت بسبب حكومة المحافظين السابقة.
لكن بالمقابل، انتقد وزير المالية في حكومة الظل، خطاب وزيرة المالية، متهماً إياها “بجر بريطانيا إلى جدالات، في محاولة للتغطية على إخفاقاتها الخاصة”. وقال: “تريد راشيل ريفز إلقاء اللوم على الجميع باستثناء نفسها بسبب إدارتها المروعة للاقتصاد”.
بعد زيادات ضريبية بلغت 66 مليار جنيه إسترليني، توقف النمو، وانهارت ثقة قطاع الأعمال، وارتفع التضخم، وتزايدت البطالة. لكن بدلاً من الاعتراف بالضرر الذي ألحقته، تعيدنا ريفز إلى جدالات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي القديمة. كضيفاً، إن المستشارة تعيش في وهم تام وتضلل الرأي العام للتغطية على إخفاقاتها.
مسيرة اللامركزية وتعزيز التنمية المحلية في المملكة المتحدة
تشكل خطة وزيرة المالية راشيل ريفز خطوة جوهرية وحاسمة، نحو تحقيق تنمية إقليمية متوازنة وشاملة في جميع أنحاء المملكة المتحدة. وذلك من خلال منح القادة المحليين صلاحيات مالية أوسع تمكنهم من إدارة مواردهم بشكل أكثر فعالية واستقلالية.
تأتي هذه الخطوة كرد فعل ضروري على التفاوت الكبير الذي يشهده الاقتصاد البريطاني بين مناطق العاصمة لندن والمدن والبلدات الأخرى، حيث تتركز الفرص الاقتصادية والتنموية بشكل كبير في العاصمة وعلى حساب بقية المناطق.
بمنح القادة المحليين القدرة على التحكم في حصص من الضرائب الوطنية، تهدف الخطة إلى تعزيز روح المسؤولية المحلية، وتحفيز الحكومات الإقليمية على ابتكار حلول تنموية تناسب خصوصيات مجتمعاتها، مما يسهم في خلق بيئة اقتصادية أكثر تنافسية وجاذبية للاستثمار خارج العاصمة.
رغم التحديات الاقتصادية الراهنة التي تواجه المملكة المتحدة، بما في ذلك الضغوط التضخمية والتقلبات العالمية، والانقسامات السياسية والانتقادات التي تواجه الحكومة، تظل هذه المبادرة بمثابة شعاع أمل لإنهاء سنوات من التفاوت الإقليمي المستمر. إذ توفر للمواطنين في المناطق الأقل حظاً فرصة أكبر لتحقيق النجاح والمساهمة في النمو الاقتصادي، بغض النظر عن مكان إقامتهم، مما يعزز من الإنصاف والتنمية المستدامة على مستوى البلاد.