في عصر بات يتسابق فيه البشر خلف الوزن المثالي، لم تعد أدوية إنقاص الوزن مجرد خيار طبي للحصول على النحافة، بل باتت أشبه بسوق تتقاطع فيها الصحة مع القدرة على الإنفاق والشراء. وقد تزايد انتشار أدوية إنقاص الوزن في بريطانيا في الآونة الأخيرة، ما يبرز تفاوتاً واضحاً بين من يستطيع الدفع وتحمل التكلفة للحصول على الوزن المثالي، وبين من يرى بذلك عبئاً مالياً لا يطاق.
97,500 جنيه لتحقيق التعادل
بحسب تحليل Baringa، يحتاج الشخص إلى نحو 97.500 جنيه إسترليني من الدخل المتاح بعد الضرائب والنفقات الأساسية حتى يصل الوفر في فاتورة المواد الغذائية إلى نحو 1,200 جنيه سنوياً، أي ما يعادل تكلفة الدواء تقريباً. أما الشخص الذي يتبقى لديه نحو 39 ألف جنيه بعد الضرائب والنفقات الأساسية، فقد ينخفض إنفاقه السنوي على الطعام بنحو 481 جنيهاً فقط.
وبذلك تصبح المعادلة واضحة.. كلما كان الدخل المتاح أكبر، ازدادت قدرة المستخدم على الاستفادة مالياً من انخفاض استهلاك الطعام. أما بالنسبة إلى معظم المستخدمين، فإن تكلفة الدواء تظل أعلى من الوفر الذي يتحقق في فاتورة المشتريات. وهنا تظهر المشكلة التي وصفها Paddy Winters، الشريك في Baringa، بأنها أشبه بـ”ضريبة تنازلية على النحافة”، لأن العبء المالي يمثل نسبة أكبر من دخل أصحاب الموارد المحدودة مقارنة بالأثرياء.
اقرأ أيضاً: حقن إنقاص الوزن تؤثر على الجسم… وعلى الإنفاق أيضاً!
نحو 3 ملايين مستخدم في بريطانيا
يتزامن ذلك مع توسع سريع في استخدام أدوية إنقاص الوزن في بريطانيا. وتشير تقديرات إلى أن نحو 5% من البالغين، أي قرابة 3 ملايين شخص، يستخدمون هذه الأدوية حالياً، بينما سبق لنحو 9% من البالغين استخدامها في مرحلة ما. وتتوقع بيانات PwC أن ترتفع نسبة المستخدمين إلى 13% بحلول نهاية العام المقبل، ما يعكس تحول هذه الأدوية من علاج محدود الانتشار إلى قطاع استهلاكي وصحي واسع.
تظهر البيانات أيضاً تفاوتاً واضحاً في القدرة على الوصول إليها. فالنساء يشكلن نحو 60% من مستخدمي GLP-1، بينما يأتي 6% من المستخدمين الحاليين من أسر يقل دخلها عن 20 ألف جنيه إسترليني، مقابل 20% من الأسر التي يتجاوز دخلها 100 ألف جنيه.
لا تتوقف تكلفة العلاج عند سعر الدواء نفسه. فبعض المستخدمين ينفقون مبالغ إضافية على المكملات الغذائية ومنتجات العناية الشخصية، بما فيها مستحضرات العناية بالشعر، في محاولة للتعامل مع الآثار الجانبية المصاحبة للعلاج. وهذا يعني أن الحساب الاقتصادي الحقيقي لا ينبغي أن يقتصر على مقارنة سعر الدواء بما يوفره المستخدم من شراء الطعام. فهناك مصروفات جانبية قد تزيد الفجوة بين تكلفة العلاج والوفر الناتج عنه.
كما أن ارتفاع التكلفة قد يدفع بعض المستخدمين إلى التوقف عن العلاج بعد عدة أشهر، وهو ما قد يؤدي إلى استعادة الوزن ثم العودة إلى العلاج من جديد، لتتشكل دورة تبدأ بالشراء وتنتهي بالتوقف ثم استعادة الوزن وإعادة العلاج.
فجوة بين القطاع الخاص وNHS
يقدر عدد البالغين الذين يعانون من السمنة في إنجلترا بنحو 14.3 مليون شخص، وفق بيانات King’s Fund، في وقت لا يزال الوصول إلى أدوية إنقاص الوزن عبر NHS محدوداً بفئات مؤهلة محددة.
وتشير Leyla Hannbeck، الرئيسة التنفيذية لجمعية Independent Pharmacies Association، إلى أن كثيراً ممن قد يستفيدون من العلاج لا يستطيعون الوصول إليه إلا من خلال الرعاية الصحية الخاصة، إذا كانوا قادرين على تحمل تكلفتها. كما تكشف هذه المعادلة عن جانب آخر من القضية.. فالعلاج الذي يمكن أن يساعد في مواجهة مشكلة صحية واسعة الانتشار قد يصبح، إذا كان الوصول إليه مرتبطاً بالقدرة الشرائية، عاملاً يعمق الفوارق الصحية بدلاً من تقليصها.
في المقابل، قد تحمل السوق بعض المؤشرات الإيجابية للمستهلكين. فأسعار أدوية إنقاص الوزن تختلف تبعاً للدواء والجرعة والصيدلية والخصومات والاشتراكات، فيما يشهد القطاع دخول منتجات جديدة وصيغ علاجية مختلفة. ومن بين التطورات الأخيرة إطلاق حبوب Wegovy في بريطانيا، إلى جانب استمرار تطوير أدوية GLP-1 الجديدة. ومن شأن زيادة المنافسة وتوسع الخيارات الدوائية أن تضغط على الأسعار مستقبلاً، وإن كان ذلك لا يضمن تلقائياً وصول العلاج إلى الفئات الأقل دخلاً.
حين يصبح الوزن قضية اقتصادية
تكشف قصة أدوية GLP-1 أن معركة إنقاص الوزن لم تعد مسألة طبية فقط. فالسعر، والدخل، والوصول إلى الرعاية الصحية، وتكلفة الغذاء، كلها أصبحت عناصر تدخل في قرار العلاج. وبينما يستطيع أصحاب الدخول المرتفعة تحمل تكلفة الدواء والاستفادة لاحقاً من انخفاض استهلاك الطعام، قد يجد أصحاب الدخل المحدود أنفسهم أمام معادلة أكثر قسوة: دفع ثمن العلاج من دون تحقيق وفر يعادل تكلفته.
ختاماً، يكشف انتشار أدوية النحافة في بريطانيا عن جانب آخر من العلاقة بين الصحة والاقتصادفي البلاد، لتبين أن إمكانية الحصول على العلاج لا ترتبط دائماً بالحاجة إليه، بل ترتبط بالقدرة على تحمل تكلفته ونفقاته. ومع توسع سوق هذه الأدوية، يطرح السؤال التالي،: هل بات الجسم المثالي امتيازاً مقتصراً على القادرين على دفع تكلفته، في حين تبقى إمكانية الحصول على مستلزمات العلاج رفاهيةً بعيدةً عن متناول الكثير من البريطانيين؟