الظلام حين يدخل البيت لا يحتاج إلى دعوة؛ يكفي أن يطول ليكشف ما تحت السطح. في كورنوال (Cornwall)، بعد عاصفة غوريتي (Storm Goretti)، تحولت أشياء عادية إلى أزمة: هاتف لا يُشحن، تدفئة تتوقف، وماء ينقطع أو يعود بعكارة. العطل قد يقع في أي بلد، لكن استمرار العطل أياماً هو ما يحول الحادثة إلى فضيحة، لأن الحياة لا تُدار على وضعية الانتظار.
عاصفة غوريتي تكشف الهشاشة
جاءت عاصفة غوريتي بتحذير أحمر نادر لكورنوال (Cornwall) وجزر سيلي (Isles of Scilly)، وسُجلت هبة قصوى بلغت 99 ميلاً في الساعة في الجزر. في مجلس العموم (House of Commons) قيل إن الحكومة أرسلت تنبيهات طوارئ إلى نحو 500 ألف شخص، وإن العاصفة كانت الأسوأ في أجزاء من المنطقة منذ 30 عاماً.
وبعد أربعة أيام نقلت الغارديان أن نحو 1,250 عقاراً ظل بلا كهرباء، وأن قرابة 3,000 منزل بقي بلا ماء، مع اضطراب الدراسة في 31 مدرسة.
لماذا تعثرت استعادة الخدمات
التأخر يرتبط بطبيعة المكان. كورنوال (Cornwall) ريفية وممتدة، وخطوط كثيرة فيها هوائي، وسقوط الأشجار قطع الكهرباء وقطع الطرق معاً، فصار الوصول إلى العطل جزءاً من العطل نفسه. الحكومة قالت إن أكثر من 250 ألف عميل فقدوا الكهرباء، وإن شركات التوزيع نشرت فرقاً إضافية كبيرة بينها 900 مهندس وموظف ميدان في الجنوب الغربي، مع الاعتراف بأن أطراف الشبكة النائية هي الأصعب.
وفي اليوم التالي كانت فرق الطرق في مجلس كورنوال (Cornwall Council) تتعامل مع نحو ألف بلاغ، كثير منها حول أشجار وفروع سقطت على الطرق. ومع تعطل الاتصالات القائمة على الإنترنت (Internet)، لم يعرف كثيرون إن كانت المساعدة قادمة، فزاد التوتر وارتفع الضغط على الجيران.
حين ينهار الماء بالظلام
انقطاع الماء لم يكن مشكلة منفصلة؛ الماء يعتمد على الكهرباء وعلى سلامة الأنابيب معاً. الغارديان نقلت عن ساوث ويست ووتر (South West Water) أن ستة خطوط رئيسية قرب هيلستون (Helston) تضررت بشدة بسبب أشجار اقتُلعت من جذورها، وأن 30 إلى 40 شجرة سقطت فوق الخطوط الخارجة من محطة وندرون (Wendron) لمعالجة المياه.
وفي تحديث الشركة للمحطة ذُكر أن الأشجار مزقت الأنابيب، وأن معظم العملاء عاد لهم الضخ لاحقاً، مع تنبيه لاحتمال تعكر مؤقت يمكن أن يزول بعد تشغيل الصنبور البارد لبعض الوقت. المعنى واضح: عطل واحد يسحب معه خدمة أخرى.
من يدفع ثمن الفشل
الخلاف لا يدور حول “من المذنب” فقط، بل حول من يتحمل الكلفة حين يطول الانقطاع. أوفجم (Ofgem) تذكر أن تعويض انقطاع الكهرباء أثناء العواصف يعتمد على “تصنيف العاصفة”: في الفئة الأولى يبدأ الاستحقاق بعد 24 ساعة، وفي الفئة الثانية بعد 48 ساعة، مع 85 جنيهاً كبداية ثم 45 جنيهاً عن كل ست ساعات إضافية وبسقف أقصى.
ساوث ويست ووتر (South West Water) تشير إلى “وعد العميل” لديها: 50 جنيهاً بعد أول 12 ساعة دون ماء، ثم 50 جنيهاً لكل 12 ساعة إضافية، مع تطبيق تلقائي على الفاتورة.
سياسياً، دعا النائب أندرو جورج (Andrew George) إلى إعلان طوارئ وطنية، بينما قالت الحكومة إن كوبرا (COBR/COBRA) لم تُفعّل وأن الدروس ستُراجع.
خطة واقعية لعدم التكرار
الدرس من عاصفة غوريتي أن المرونة ليست شعاراً. الحل الواقعي يبدأ بتقوية المقاطع الأكثر تعرضاً للرياح، وتقليم الأشجار قرب الخطوط، وإضافة مفاتيح عزل وتقسيم للشبكة كي لا يجر عطل واحد آلاف المنازل إلى الظلام. وفي قطاع الماء، تحتاج محطات المعالجة والضخ إلى طاقة احتياطية حقيقية، لأن توقف الكهرباء يجب ألا يعني توقف الماء تلقائياً. أما الاتصال في الأزمات فيجب أن يعمل دون إنترنت (Internet)، لا أن يسقط مع أول انقطاع.
في النهاية، لا يطلب الناس شبكة لا تتعطل أبداً، بل شبكة تتعافى بسرعة وبشفافية. عاصفة غوريتي كشفت أن سرعة الإصلاح لا تكفي إن غابت المعلومة، وأن الاعتماد على أنظمة رقمية بلا بدائل يضاعف الخسائر. الإصلاح الحقيقي يبدأ قبل العاصفة، لا بعدها، وعندها فقط تستحق صفة دولة متقدمة.
اقرأ أيضاً: الجيش البريطاني مقابل الجيش الفنزويلي.. من يربح؟