المشكلة هنا لم تعد تعييناً سياسياً أسيء تقديره ثم انتهى. هذا المستوى جرى تجاوزه منذ وقت. ما أعاد القضية إلى الواجهة في 18 و19 نيسان هو أن ملف بيتر ماندلسون لم يعد يُقرأ بوصفه خطأ في الاختيار فقط، بل بوصفه اختباراً لطريقة اتخاذ القرار داخل الحكومة نفسها، ولطريقة انتقال المعلومة من الأجهزة والإدارات إلى رئيس الوزراء، ثم إلى البرلمان. حين يصل الجدل إلى هذه النقطة، يتغير معنى الأزمة. تصبح أزمة ثقة قبل أن تبقى أزمة أشخاص.
عاصفة ماندلسون
العودة إلى البداية ضرورية هنا. ستارمر عيّن ماندلسون سفيراً في واشنطن في كانون الأول 2024، رغم أن صلته بجيفري إبستين كانت معروفة في المجال العام آنذاك. ثم اتضح لاحقاً، بحسب ما قاله ستارمر نفسه في شباط 2026، أن ما لم يكن معروفاً عند التعيين هو “عمق” تلك العلاقة و”ظلامها”، على حد تعبيره، وأنه صدّق ما وصفه لاحقاً بأكاذيب ماندلسون. وبين التعيين والاعتذار، كان الرجل قد أُقيل من موقعه في أيلول 2025 تحت ضغط ما كُشف عن علاقته بإبستين، وما تبع ذلك من تحقيقات وضغط سياسي واسع. بهذا المعنى، كانت الحكومة قد دفعت الثمن السياسي للتعيين مرة أولى. لكن ما جرى في نيسان فتح جولة ثانية، أشد خطراً من الأولى، لأنها انتقلت من سؤال الحكم السياسي إلى سؤال المعرفة والمسؤولية.
الوثائق التي بدأت الحكومة نشرها في آذار أعطت إشارات مبكرة إلى أن المشكلة لم تكن بسيطة حتى في أصلها. دفعة 11 آذار أظهرت أن قائمة تدقيق مرفوعة إلى رئيس الوزراء وصفت علاقة ماندلسون بإبستين بأنها “مخاطرة سمعة”، وأن الفحوص التي أجريت في 4 كانون الأول 2024 سجّلت استمرار العلاقة بينهما بين 2009 و2011، بما في ذلك إقامة ماندلسون في منزل إبستين في حزيران 2009 بينما كان الأخير في السجن.
كما أظهرت الوثائق أن مسؤولين حذروا ستارمر من أنه سيكون “أكثر تعرضاً” إذا حدث خطأ في تعيين سياسي من هذا النوع، لأن المعيَّن سيكون مرتبطاً به شخصياً، وأن جوناثان باول وصف المسار لاحقاً بأنه “غير اعتيادي” و”سريع على نحو غريب”، مع وجود تحفظات أخرى داخل الخارجية. هذا كله لا يثبت وحده أن ستارمر عرف بكل شيء ثم أنكر، لكنه يثبت أن التعيين لم يكن عادياً حتى قبل انفجار الملف.
ليس ذلك فقط!
مع ذلك، لم يتفجر الجدل الحالي بسبب هذه الخلفية وحدها. الذي فجّره هو ما ظهر لاحقاً عن مسار التدقيق الأمني نفسه. الحكومة قالت في 17 نيسان إن UK Security Vetting أوصت بعدم منح ماندلسون التدقيق المتقدم، لكن وزارة الخارجية مضت في منحه التصريح رغم ذلك. ثم أضيف عنصر آخر أكثر حساسية، وهو أن ستارمر لم يكن على علم بهذا الأمر حين جرى، وأنه لم يعرف إلا في الأسبوع السابق. هنا بدأ جوهر العاصفة. لأن رئيس الوزراء كان قد قال للبرلمان سابقاً إن الإجراءات المطلوبة اتُّبعت. وإذا اتضح أن التوصية الأمنية الأصلية كانت في الاتجاه المعاكس، فإن السؤال لم يعد فقط لماذا عُيّن ماندلسون، بل كيف قُدمت الرواية الحكومية أصلاً.
مذكرة الاجتماع المؤرخة في 15 نيسان، والمنشورة ضمن الوثائق الحكومية، زادت الصورة حساسية. النص يقول بوضوح إن رئيس الوزراء “لم يكن على علم بأي من هذا” قبل الاجتماع، بما في ذلك أن منح التصريح خلافاً لتوصية UKSV كان ممكناً أصلاً. ويضيف أنه لم يكن هناك دليل على أن قرار منح التصريح، رغم النصيحة المعاكسة، كُشف لأي جهة خارج وزارة الخارجية وUKSV قبل مشاركة الوثيقة امتثالاً لإجراء برلماني. ثم يذهب أبعد من ذلك، حين يشير إلى أن المطلوب هو التحقق مما إذا كان الوزراء، بعدما تلقوا تطمينات وُصفت في المذكرة بأنها غير صحيحة، قد ضللوا البرلمان من دون قصد عندما تحدثوا عن المسار الذي اتُّبع. هذه الصياغة لا تحمل اتهاماً نهائياً، لكنها تكفي وحدها لتفسير لماذا تحولت القضية من جدل إعلامي إلى أزمة حكم.
لامي لديه شكّ!
ديفيد لامي حاول في 18 نيسان أن يرسم خط الدفاع الأساسي عن ستارمر. قال إن من غير المفهوم أن رئيس الوزراء لم يُبلّغ بالتوصية الأولية، وأضاف أنه لا شك لديه في أن ستارمر لم يكن ليعيّن ماندلسون سفيراً لو عرف أنه لم يجتز التدقيق. هذا الدعم مهم سياسياً لأنه لا يأتي من الهامش، بل من شخصية كانت مسؤولة عن الخارجية في تلك المرحلة. لكنه، في الوقت نفسه، لا يطوي الملف. بل يمكن القول إنه يحدد مكانه الحقيقي. فالدفاع هنا لم يعد قائماً على أن كل شيء سار كما ينبغي، بل على أن رئيس الوزراء لم يُعطَ المعلومة التي كان يفترض أن تصله. وهذا، بحد ذاته، اعتراف بأن الخلل لم يعد محل خلاف. الخلاف صار على موقعه وحدوده ومن يتحمله.
تحديث 19 نيسان أضاف طبقة أخرى إلى الأزمة. صفحة الحكومة الخاصة بالوثائق سجلت صراحة أنها حُدثت في ذلك اليوم وأن “معلومات إضافية” أضيفت إليها. والمعلومة الأهم جاءت في البيان المرفق حول قانون الإصلاح الدستوري والحوكمة لعام 2010، إذ نص بوضوح على أن القانون لا يمنع الموظفين من إبلاغ الوزراء بتوصيات UK Security Vetting أو بالمخاطر العامة والتدابير المخففة، مع الاستمرار في حماية التفاصيل الحساسة. وذهب البيان إلى أبعد من ذلك حين قال إن “لا شيء” في الإرشادات كان يمنع مشاركة هذه المعلومات في هذه الحالة، بطريقة متناسبة وضرورية. هذه الإضافة لا تثبت تلقائياً من كان يجب أن يبلغ من، لكنها تضعف سياسياً أي دفاع يقوم على أن القانون نفسه كان حاجزاً أمام وصول التحذير إلى المستوى السياسي.
لهذا فإن المسألة اليوم ليست مسألة خصوم يبالغون في استثمار أزمة محرجة. نعم، المعارضة استغلت الملف إلى أقصى حد، ووصفت ما جرى بأنه سوء حكم أو إهمال جسيم، وطالبت باستقالة ستارمر. لكن الأهم من موقف الخصوم هو أن الحكومة نفسها انتقلت من رواية تفيد بأن الإجراءات اتُّبعت، إلى رواية أخرى تقول إن رئيس الوزراء لم يكن يعرف أن التوصية الأمنية لم تكن لصالح التعيين. وبين الروايتين مساحة واسعة من الأسئلة الإدارية والدستورية والبرلمانية. وهذا هو المكان الذي تستقر فيه الأزمة فعلاً. ليست في اسم ماندلسون وحده، بل في تماسك القرار الحكومي وقدرته على الصمود أمام الفحص.
مع ذلك، لا توجد حتى الآن مؤشرات حاسمة إلى انهيار سياسي فوري. التقارير تشير إلى أن أياً من كبار حزب العمال لم يطالب علناً برحيل ستارمر، رغم تصاعد الضغط وقرب الانتخابات المحلية، ورغم هبوط شعبيته مقارنة بزخم فوزه الكبير في 2024. هذا يعني أن الحكومة ما زالت تملك فرصة النجاة من الصدمة المباشرة. لكن النجاة من السقوط ليست هي نفسها النجاة من الأزمة. إذا بقيت الأسئلة الأساسية معلقة، من اتخذ القرار، ومن عرف، ولماذا لم تصل المعلومة، وكيف قُدمت للبرلمان رواية ناقصة، فإن الضرر سيظل قائماً حتى لو تجاوز ستارمر هذه الجولة من دون استقالة.
الخلاصة بسيطة. عاصفة ماندلسون لم تعد تدور حول رجل واحد ولا حول خطأ تعيين معزول. هي تدور الآن حول ما إذا كانت حكومة ستارمر تدير الملفات الحساسة على أساس سياسي منضبط، أم على أساس أن القرار يسبق التحقق ثم يجري البحث لاحقاً عن طريقة لشرح ما حدث. هذا هو السؤال الذي فتحه 18 و19 نيسان. وهو، حتى الآن، لم يُغلق.
اقرأ أيضاً: فضيحة ماندلسون تهز داونينغ ستريت: هل بدأ العد التنازلي لسقوط كير ستارمر؟