شهدت اسكتلندا خلال العام الحالي اضطرابات قضائية، وصنف هذا العام من أكثر الأعوام توتراً في تاريخ نظامها القضائي الحديث، حيث تداخلت الإصلاحات القانونية الكبرى مع أزمات تنفيذية وضغوط سياسية واجتماعية متزايدة، ما وضع مفهوم العدالة ذاته تحت مجهر النقد العام. وبينما تؤكد الحكومة أن ما يجري هو تحديث ضروري، يرى منتقدون أن النظام يمر بحالة إنهاك تهدد ثقة المواطنين به.
جدل حول القضاء.. وانقسام في الآراء يوتر اسكتلندا
ثار الجدل حول القضاء وضرورة الإصلاحات فيه، فجاء قرار البرلمان الاسكتلندي إلغاء الحكم القانوني الفريد المعروف بـ “غير مثبت” (Not Proven)، وهو ما كان متاحاً لهيئة المحلفين من ضمن خيارات الحكم إلى جانب “مدان” و”غير مذنب”. الحكومة في اسكتلندا رأت في هذا الإلغاء خطوة إصلاحية تهدف إلى تحسين العدالة للضحايا وإحقاقها بشكل أكثر إنصافاً، لا سيما في قضايا الاعتداءات الجنسية، حيث كان هذا الحكم يستخدم بكثرة دون إدانة صريحة.
لكن معارضي القرار حذروا من أن إلغاء الحكم ترافق مع تغييرات أخرى في نظام هيئة المحلفين، مثل تعديل نسب الأغلبية المطلوبة للإدانة، ما قد يؤدي إلى إضعاف ضمانات المحاكمة العادلة، ويفتح الباب أمام إدانات قد لا تستند إلى إجماع قوي.
اقرأ أيضاً: آبل مهددة أمام القضاء البريطاني بدفع 1.8مليار دولار
الشرطة مرتبكة أيضاً بين القضايا المتراكمة ومهامها
في موازاة الإصلاحات التشريعية والقضائية، واجهت الشرطة الاسكتلندية أزمة عملية حادة وعميقة تمثلت في تراكم آلاف أوامر الاعتقال غير المنفذة، بعضها مرتبط بجرائم خطيرة. في حين أشارت تقارير عديدة عن أن أسباب هذا التراكم تعود إلى نقص الكوادر الشرطية، وارتفاع أعباء العمل على باقي العناصر، وتعقيد الإجراءات القانونية.
كل ذلك جاء بالرغم من تأكيد الحكومة أنها خصصت تمويلاً كافياً للشرطة وصفته بالقياسي، بينما يرى قادة نقابيون وخبراء أمنيون أن التمويل لا يترجم بالضرورة إلى وجود فعلي للضباط على الأرض، محذرين من أن استمرار هذا الوضع يقوض الردع ويؤخر وصول العدالة للضحايا.
القضاء متوتر من أروقة المحاكم إلى السجون
السجون في اسكتلندا لم تكن بمعزل عن العاصفة. فقد بلغ الاكتظاظ مستويات قياسية، ما دفع الحكومة في البلاد إلى اللجوء لإجراءات استثنائية شملت الإفراج المبكر عن مئات السجناء لتخفيف الضغط. القرار، وإن جاء تبريره بدواعٍ إنسانية وأمنية داخل السجون، إلا نه أثار موجة قلق شعبي وسياسي، وسط تخوف من عودة بعض المفرج عنهم إلى ارتكاب الجرائم، وأن الموضوع كان بحاجة دراسة أكثر.
المعارضة اعتبرت هذه السياسة دليل على فشل التخطيط طويل الأمد، فيما شددت الحكومة على أنها خطوة مؤقتة ضمن معالجة أوسع لأزمة البنية التحتية العقابية.
ثقة مفقودة تزيد من الاضطراب رغم كل التحقيقات
تعثر عدد من التحقيقات العامة كانت أكثر القضايا حساسية خلال العام، خاصة القضايا المتعلقة بإساءة معاملة الأطفال وحالات وفاة أثناء الاحتجاز، استقالات، وتأخيرات، وانتقادات لاذعة من عائلات الضحايا والناجين، كلها ساهمت في تآكل الثقة بهذه الآلية التي يفترض أن تمثل ذروة الشفافية والمساءلة.
في سياقٍ متصل، أشارت تقارير صحفية وحكومية انتشرت كتعقيب على جدل التحقيقات الحاصل، إلى تضخم تكاليف هذه التحقيقات وطول أمدها دون نتائج واضحة، ما دفع إلى دعوات لإصلاح جذري لطريقة إدارتها، بما يضمن فعاليتها دون المساس باستقلاليتها.
عدم اليقين سيد الموقف.. وتوقع الأعظم
مع اقتراب العام الحالي من نهايته، تبدو العدالة في اسكتلندا أمام مفترق طرق. فبين طموح الإصلاح وضغط الواقع، تتزايد الأسئلة حول قدرة النظام على التوازن بين حماية المجتمع، وضمان حقوق المتهمين، وتحقيق الإنصاف للضحايا.
وإذا كان هذا العام قد كشف هشاشة بعض أركان المنظومة، فإن المؤشرات القادمة توحي بأن الجدل لن يهدأ في المد القريب، وأن عام العدالة المضطرب في اسكتلندا قد لا يكون سوى فصل في قصة أطول وأكثر تعقيداً.