في الوقت الذي تنقسم فيه الآراء بين مؤيد ومعارض لاستقلال اسكتلندا عن المملكة المتحدة، تبرز الأرقام الاقتصادية لتزيد من حدة الانقسام، فعلى الرغم من تحسن نسبة العجز المالي الاسكتلندي، إلا أنه لا يزال أكبر بكثير من العجز في بريطانيا ككلّ.
وإلى ذلك اختلف تفسير هذه الأرقام، فسياسيون يرون أن هذه النتائج لا علاقة لها بمستقبل الواقع المالي الاسكتلندي في حال الاستقلال، وأن السياسات حتماً ستتغير للأفضل وفقاً لرأيهم، فيما يرى التيار المعارض لفكرة الاستقلال أن هذه الأرقام انعكاس لضرورة بقاء اسكتلندا ضمن المملكة المتحدة.
ويتزامن ذلك، مع استطلاع رأي حديث أجرته فايند آوت ناو (Find Out Now)، شمل 1020 شخصاً في اسكتلندا، وأظهر أن نحو 35% من المستطلعين يؤيدون إعلان الحكومة الاسكتلندية الاستقلال من جانب واحد عن المملكة المتحدة، مقابل 42% يعارضون ذلك، فيما ترتفع نسبة التأييد إلى 45% عند استبعاد الذين أجابوا بـ “لا أعرف”.
العجز المالي الاسكتلندي
وفقًا لأحدث بيانات تقرير الإنفاق والإيرادات الحكومية في اسكتلندا (Government Expenditure and Revenue Scotland – GERS)، وصل العجز المالي الاسكتلندي إلى 25.3 مليار جنيه إسترليني خلال 2025-2026، أي أنه انخفض بمقدار 600 مليون جنيه إسترليني مقارنةً بالعام السابق.
ويعود سبب الانخفاض إلى نمو الإيرادات الضريبية الذي تجاوز نمو الإنفاق، ليشكل العجز المالي الاسمي في اسكتلندا نحو 10.9% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنةً بـ 11.5% خلال العام السابق، أي هناك تحسن بنسبة 0.6 نقطة مئوية.
ولكن المفارقة هنا تتخطى مسألة تحسن النسبة المئوية للعجز المالي الاسكتلندي، فالأرقام الجديدة تعكس اتساع الفجوة مع المملكة المتحدة ككل، والتي وصلت فيها نسبة العجز إلى 4.2% خلال السنة المالية نفسها.
أرقام الإيرادات
بلغة الأرقام نتحدث، حيث يُظهر التقرير وجود فرق كبير بين الإيرادات المُحصلة والإنفاق العام في اسكتلندا، ومن هنا يمكن تفسير العجز المالي الاسكتلندي البالغ 25.3 مليار جنيه، فخلال الفترة 2025-2026، جمعت اسكتلندا من الإيرادات العامة نحو 98.3 مليار جنيه إسترليني، وهي تعادل 8% من إجمالي إيرادات المملكة المتحدة.
وقد ارتفعت قيمة الإيرادات عن السنة السابقة بنحو 6.3 مليار جنيه إسترليني، أي شكلت زيادةً بنسبة 6.9%، ومن أصل 98.3 مليار جنيه، هناك 27.8 مليار جنيه إيرادات مفوضة، أي تلك الإيرادات التي تقع ضمن صلاحيات الحكومة الاسكتلندية، وتشكل نحو 28% من إجمالي الإيرادات المُحصَّلة في اسكتلندا.
وعند تضمين إيرادات بحر الشمال (النفط والغاز)، يكون متوسط الإيرادات للفرد في اسكتلندا شبه مطابق للمتوسط البريطاني، حيث بلغ نحو 17718 جنيهاً إسترلينياً، فيما بلغ متوسط الإيرادات للفرد في المملكة المتحدة 17720 جنيهاً إسترلينياً خلال 2025-26.
الفجوة بين الإيرادات والإنفاق
وعلى الرغم من أن متوسط الإيرادات للفرد متشابه بشكل كبير بين اسكتلندا والمملكة المتحدة ككلّ، إلا أن المشكلة لا تكمن هنا، فالمفارقة تتمحور حول حجم الإنفاق، حيث بلغ إجمالي الإنفاق العام في اسكتلندا نحو 123.6 مليار جنيه إسترليني خلال 2025-2026، بزيادةٍ قدرها 5.7 مليار جنيه إسترليني أي 4.8% مقارنةً بالعام السابق.
وقد حظي قطاع الحماية الاجتماعية على أكبر الزيادات بنسبة الإنفاق بمقدار 2.1 مليار جنيه)، تلاه الصحة بمقدار 1.5 مليار جنيه، كما بلغ حجم الإنفاق العام للفرد في اسكتلندا نحو 22,281 جنيهًا مقابل 19,561 جنيهًا في المملكة المتحدة.
أي أن الإنفاق للفرد في اسكتلندا كان أعلى بمقدار 2720 جنيهاً إسترلينياً من المملكة المتحدة، بالتالي يرتفع مستوى الإنفاق العام مقارنة بالإيرادات المحصلة، وهذا ما أسهم في تسجيل عجز مالي بلغ 25.3 مليار جنيه إسترليني.
تفسير متعارض للأرقام
وزيرة المالية في الحكومة الاسكتلندية جيني جيلروث (Jenny Gilruth)، ترى أن الأرقام تُظهر تحسناً في المالية العامة، وأن حكومتها تقدم “وضعاً مالياً مستداماً”، موضحةً أن زيادات إيرادات ضريبة الدخل تُعد مؤشراً على صحة القرارات التي اتخذتها الحكومة، والتي تساعد بدورها في توفير تمويل إضافي لتخفيف حدة التكاليف المعيشية كالوصفات الطبية المجانية والمدفوعات المرتبطة بالطفل الاسكتلندي والتعليم وغيرها.
كما تؤكد جيني جيلروث أن أرقام “تقرير GERS”، لا تعكس ما سيكون عليه الوضع المالي لاسكتلندا في حال استقلالها، فهي ستتمكن من الوصول إلى كامل إمكانياتها على حدِّ قولها.
في المقابل، وزير الدولة لشؤون اسكتلندا في الحكومة البريطانية دوغلاس ألكسندر (Douglas Alexander)، يقرأ الأرقام من زاوية مختلفة تماماً، حيث يرى أن الإنفاق العام الأعلى للفرد في اسكتلندا، والذي بلغ 22,281 جنيهاً مقابل 19,561 جنيهاً في المملكة المتحدة، يعكس الفائدة المالية التي تحصل عليها اسكتلندا من تقاسم الموارد ضمن المملكة المتحدة.
إذاً، تكشف بيانات GERS عن الواقع المالي الاسكتلندي بصورة متشابكة بعض الشيء، ففي الوقت الذي ينخفض فيه العجز المالي الاسكتلندي عن العام السابق، بقيت الفجوة بين الإيرادات والإنفاق واسعة، كما أن الإنفاق العام للفرد في اسكتلندا يكون أعلى من مستواه في المملكة المتحدة ككل، وهذا ما أثار خلافاً سياسياً حول من يرى ضرورة البقاء ضمن المملكة المتحدة القوية، ومن يعتبر أن الاستقلال يتيح لاسكتلندا الاستفادة من إمكانياتها بالكامل.
اقرأ أيضاً: ميزانية الخريف 2025 اختبار التوازن بين النمو والانضباط المالي