علمٌ جديد فوق مربّع قديم… السفارة السورية تعود إلى لندن
تابعونا على:

أخبار لندن

علمٌ جديد فوق مربّع قديم… السفارة السورية تعود إلى لندن

نشر

في

626 مشاهدة

علمٌ جديد فوق مربّع قديم… السفارة السورية تعود إلى لندن

عند العاشرة تماماً من صباح الخميس 13 تشرين الثاني، توقّف المارّة للحظات أمام الرقم «8» في «بيلغرايف سكوير Belgrave Square». خلف السياج الحديدي الأسود، ارتفع ببطء علمٌ بثلاث نجوم خضراء على خلفية بيضاء وسوداء وخضراء، فوق واجهةٍ كلسيّة قديمة اعتادها سكان الحي منذ عقود، لكنّها كانت صامتة طوال أكثر من «عشرية» كاملة. في تلك اللحظة، لم يكن المشهد إجراءً بروتوكولياً وحسب، بل كان إعادة وصل بين مبنى وذاكرة، بين جالية ووطن أعاد ترتيب علمه وخريطته السياسية في سنةٍ واحدة فقط… لقد تمّت إعادة افتتاح السفارة السورية في لندن.

في الداخل، كان موظفون ببدلات داكنة يقفون بمحاذاة الدرج الحجري، يتفحّصون قوائم الأسماء ويسألون عن الدعوات. في الخارج، اصطفّ عشرات السوريين على الرصيف، بعضهم يلتقط الصور بهواتفهم، وبعضهم يكتفي بالتحديق في الشرفات العالية التي أطفئت مصابيحها منذ 2013، يوم أغلِق المبنى على وقع الحرب وقطع العلاقات.

اليوم، بعد 12–13 عاماً من الإغلاق، يعود المبنى نفسه إلى العمل، لكن ليمثّل بلداً مختلفاً كلياً: رئيسٌ انتقالي جديد في دمشق، علم جديد، وخطاب سياسي يحاول أن يقنع العالم بأن سورية التي تعود إلى الساحات الدبلوماسية ليست هي سورية ما قبل سقوط السلطة السابقة.

ساحة هادئة… وجالية صاخبة بالأسئلة

«بيلغرايف سكوير» لا تشبه المدن الممزّقة التي خرج منها كثير من الواقفين أمام البوابة. هنا، واجهاتٌ نظيفة، أشجارٌ مرتّبة، وسيارات فارهة تمرّ ببطء أمام سفاراتٍ متجاورة. السوريون الذين جاؤوا إلى حفل إعادة الافتتاح جاؤوا من أحياء بعيدة: من «إيدجوير رود Edgware Road» المزدحم، من ضواحي الشمال، من غرف الطلبة في الجامعات. البعض حمل أوراقاً في ملفّات بلاستيكية شفافة: جوازات سفر منتهية، شهادات ولادة، معاملات زواج معلّقة بين بلدين.

رجلٌ في منتصف الأربعينيات، كان يقف قرب الزاوية المقابلة للمبنى، يراقب العلم الجديد وهو يعلو، ويضغط بإبهامه على حافة كيسٍ ورقي يتضمّن ملفات عائلته. لا يصرّح بكثير من السياسة، يقول ببساطة إن ما يهمّه «شباك مفتوح» يمكن أن يسلّم من خلاله أوراقه من دون أن يرسلها إلى بلدٍ لا يعرف إن كان يستطيع العودة إليه أصلاً.

قربه شابّة من جيل الحرب، لم ترَ سفارة سورية مفتوحة في لندن من قبل. بالنسبة إليها، الافتتاح ليس استعادةً لشيءٍ قديم، بل بدايةٌ لعلاقة رسمية أولى مع بلدٍ تعرفه من خلال حكايات أهلها وصور قديمة على هواتفهم.

الوزير، العلم، والكلمات المحسوبة

عند المدخل، وقف وزير الخارجية السوري الجديد، أسعد الشيباني (الحيباني كما تحبّ بعض وسائل الإعلام الأجنبية أن تكتب اسمه)، وهو يمسك بطرف الحبل، يرفع العلم بينما توثّق الكاميرات اللحظة من زوايا مختلفة.

خلفه وفدٌ رسمي جاء معه من دمشق، وحولهم مسؤولون بريطانيون حضروا لالتقاط صورة اللحظة التي تُعلَن فيها عودة التمثيل الدبلوماسي رسمياً بين البلدين.

الخطاب الذي ألقاه كان من النوع الذي يُكتب على أكثر من مسودة قبل أن يُقرأ: حديث عن «مرحلة جديدة» و«فرصة تاريخية لإعادة بناء الثقة» و«مسؤولية مشتركة لحماية مستقبل السوريين في الداخل والخارج».

في خلفية هذا الكلام، سجلٌّ طويل من القطيعة: طردٌ للسفير السوري من لندن عام 2012، إغلاق السفارة في 2013، سنوات من العزلة والعقوبات، ثم انقلاب المشهد خلال عام 2025 مع سقوط السلطة السابقة، ورفع العقوبات تدريجياً، وزيارة وزير الخارجية البريطاني إلى دمشق في يوليو لإعلان استئناف العلاقات.

الوزير يتحدث عن «صفحة جديدة»، فيما يعرف كثير من الواقفين في الخارج أنّ الصفحات القديمة لم تُطوَ بعد، فهناك وقتٌ تحتاجه للاختمار: هناك مفقودون، ملفات عدالة انتقالية، مدن مدمّرة، وسنوات من اللجوء لا تُمحى بخطابٍ قصير وصورةٍ أمام علَم.

بين لندن ودمشق… طرق متقاطعة

من الناحية السياسية البحتة، يشكّل افتتاح السفارة خطوة إضافية في مسار إعادة إدماج سورية الجديدة في النظام الدولي بعد تغيير السلطة فيها.

بريطانيا، التي كانت في طليعة الدول التي قطعت العلاقات مع دمشق في عهد الحكم السابق، تعود اليوم لتفتح الباب أمام سفير جديد لم يُعيّن بعد، وسفارة ترفع علماً جديداً اعتمدته السلطات الانتقالية بعد سقوط سلطة الأسد.

لكن «الواقعية الجديدة» لهذا المشهد لا تُقاس فقط ببيانات وزارتي الخارجية في لندن ودمشق، بل بتفاصيل صغيرة تلتقطها العين حول السفارة: عائلة سورية تحمل عربة طفل وتبحث عن مكان تجلس فيه ريثما تنتهي مراسم الافتتاح، ورجل خمسيني يشرح لصديق بريطاني جاء معه كيف كان هذا المبنى نفسه يوماً ما هدفاً لمظاهراتٍ صاخبة ضد النظام السابق، وشابان يتجادلان قرب محطة الباص المجاورة حول جدوى المصالحة مع دولٍ تركتهم وحدهم طوال سنوات الحرب.

هذه التفاصيل هي التي تعطي الحدث حجمه الحقيقي: لا هزيمة لآمال التغيير، بل علامةٌ على أن الخرائط السياسية تتحرك، وأن السوريين في الخارج يحاولون، للمرة الألف، أن يعثروا على توازن بين ما يريدونه من بلدهم وما يستطيع بلدهم أن يقدّمه لهم في هذه اللحظة.

جالية تريد خدمات…

مذ أُغلقت السفارة، عاش السوريون في بريطانيا على حلولٍ مؤقتة: سفر إلى دولٍ أخرى للقيام بمعاملات رسمية، وكلاء، أوراق تُرسل مع الأقارب. افتتاح السفارة اليوم لا يجيب عن كل هذه المشكلات، لكنه يفتح، حرفياً، باباً كانوا مضطرين إلى الالتفاف حوله.

في طابور غير رسمي أمام البوابة، تكرّرت عبارة واحدة على ألسنة كثيرين: «المهم أن تتوفر الخدمات، وأن تُحترم الناس». تحت هذا السقف الواقعي، الذي يعكس مدى سوء إدارة السلطة السابقة للسفارات، تتراجع خطابات الانقسام، ويصير السؤال أكثر مباشرة: هل ستنجح السفارة في أن تكون بيتاً إدارياً للجالية دون طوابير وحجوزات غير منطقية؟

بعض الواقفين في المكان يشكّكون، يستعيدون تجاربهم القديمة مع مؤسسات الدولة، وبعضهم يفضّل أن يعطي «فرصة» لموظفين جدد، وسلطة جديدة، وعاصمة غربية قررت أن تمنح دمشق مقعداً دبلوماسياً بعد سنوات من الإقصاء.

«8 بيلغرايف سكوير»… عنوانٌ يعود إلى الخرائط

في سجلات وزارة الخارجية البريطانية، سيعود عنوان «8 بيلغرايف سكوير» ليُدرج مجدّداً كسفارةٍ نشطة. في سجلات الصحافة العالمية، سيُكتب أنّ سورية أعادت فتح سفارتها في لندن في 13 نوفمبر 2025، في خطوة جديدة من خطوات عودتها التدريجية إلى شبكات العلاقات الدولية بعد تحوّلٍ سياسي أنهى حقبة امتدت أكثر من عقد.

أما في ذاكرة السوريين هنا، فالعنوان نفسه سيُحفظ بطريقة مختلفة:

مكان يمكن أن تُجدّد فيه أوراقهم، أن يسألوا فيه عن مصير معاملاتٍ علقت في الهواء، أن يلتقوا فيه بموظفٍ يتحدث العربية بلهجاتٍ تشبههم، وأن يشعروا، ولو للحظة، بأنّ المسافة بين لندن ودمشق ليست فقط ساعات طيران، بل شبكة من الأبواب المفتوحة والمغلقة.

اليوم، الجمعة 14 نوفمبر، سيكون العلم الجديد قد اعتاد نسيم لندن البارد. السيارات ستمرّ كعادتها في الشارع الهادئ، والحيّ الدبلوماسي سيعود إلى رتابته. لكنّ السوريين الذين مرّوا أمس أمام المبنى يعرفون أنّ شيئاً ما تغيّر: هناك نافذة فُتحت من جديد، في وقتٍ من العمر لم يعد فيه فتح النوافذ أمراً بديهياً، لا في السياسة ولا في حياة الناس.

اقرأ أيضاً: البطالة ترتفع إلى 5% في بريطانيا بسبب ضرائب ريفز

X