بوابة غرفة الولادة تحمل دائماً سؤالاً واحداً: كيف نصل بالأم والطفل إلى برّ الأمان؟ الجديد أن الإجابة في إنجلترا باتت تميل أكثر نحو الجراحة، لا لأن الولادة الطبيعية اختفت، بل لأن مزيجاً من تغيّر صحة الأمهات وتحولات الرعاية واتساع مساحة الاختيار أعاد رسم ما يحدث في الساعات الأخيرة قبل وصول المولود.
الولادة القيصرية في إنجلترا بالأرقام
تكشف بيانات خدمة الصحة الوطنية للفترة بين أبريل 2024 ومارس 2025 أن الولادة القيصرية أصبحت، للمرة الأولى، أكثر شيوعاً من الولادة المهبلية غير المساعدة. من أصل 542,235 ولادة، جرت 45% بعملية قيصرية مقابل 44% ولادات مهبلية “تلقائية”، بينما شكّلت الولادات المساعدة بأدوات مثل الملقط أو الشفط 11%. كما ارتفعت القيصريات المخططة إلى نحو 20% والطارئة إلى 25.1%، وهي مستويات غير مسبوقة ضمن هذه البيانات.
كيف تغيرت خريطة الولادة
هذا التحول ليس قفزة معزولة، بل نتيجة مسار صاعد. الإحصاءات الرسمية لعام 2023–2024 توضّح أن طريقة الولادة ترتبط بقوة بعمر الأم: الولادة التلقائية هي الأكثر شيوعاً لمن هنّ 29 عاماً فأقل، ثم تتقارب التلقائية والقيصرية في فئة 30–39، قبل أن تصبح القيصرية هي النمط الأبرز بعد الأربعين، حيث تقارب 58% من الولادات.
كما توضّح NHS England Digital أن هذه المؤشرات تعتمد على قواعد بيانات وطنية مثل HES وMSDS، ما يجعلها مناسبة لقراءة الاتجاهات على مستوى النظام ككل.
أسباب طبية واجتماعية متشابكة
جزء كبير من الزيادة يمكن فهمه طبياً: تأخر الإنجاب وارتفاع السمنة يضيفان مخاطر مثل ارتفاع الضغط والسكري وتعقيدات تتعلق بوضعية الجنين أو المشيمة، ما يجعل التدخل الجراحي أحياناً الخيار الأكثر أماناً. لكن الطب وحده لا يفسر كل شيء. كثيرات يبحثن عن ولادة “متوقعة” في توقيتها ومسارها، أو يحاولن تجنب ألم طويل وتجربة غير محسومة.
ومع ضغوط الموارد، قد يتحول القرار أيضاً إلى استجابة للواقع داخل القسم: عندما يقلّ الدعم خلال المخاض أو تتأخر الاستجابة، تصبح العملية خياراً يبدو أسرع وأكثر قابلية للضبط.
بين الضرورة وحرية الاختيار
المنطقة الرمادية هنا دقيقة: كيف نوازن بين الضرورة الطبية وبين حق الحامل في اختيار ما تراه مناسباً؟ إرشادات NICE (NG192) تجعل النقاش محور القرار، وتغطي متى تُعرض القيصرية وكيف تُشرح المخاطر والفوائد وكيف تُدار الرعاية بعدها، بهدف تحسين الاتساق والجودة.
وفي المقابل تذكّر مواد NHS بأن القيصرية، رغم أنها إجراء آمن غالباً، تبقى عملية جراحية قد ترتبط بالعدوى أو النزف أو الجلطات ومضاعفات التخدير، إضافة إلى تأثيرات قد تمتد إلى الأحمال اللاحقة.
ثقة الأم وتجربة الرعاية
تظهر صلة التجربة بالأرقام في استطلاع لجنة جودة الرعاية CQC لعام 2025. الاستطلاع شمل 16,755 مشاركة من مستخدمات خدمات الأمومة في إنجلترا، وقد رصد تحسناً في جوانب مثل التواصل والدعم النفسي، لكنه سجل أيضاً أن 18% شعرن بأن مخاوفهن أثناء المخاض لم تُؤخذ بجدية، وأن 15% لم يحصلن على نصيحة ودعم كافيين عند بداية المخاض.
في هذه الأجواء، قد تبدو الولادة القيصرية في إنجلترا لبعض النساء طريقاً أقل غموضاً، حتى إن لم تكن الخيار الأول طبياً.
ما الذي يعنيه التحول
الولادة القيصرية في إنجلترا أصبحت مرآة لصحة المجتمع ولطريقة عمل خدمات الأمومة. منظمة الصحة العالمية تؤكد أن القيصرية تنقذ الأرواح عندما تكون ضرورية، وأن ارتفاع معدلاتها على مستوى السكان حتى حدود تقارب 10% يرتبط بانخفاض وفيات الأمهات والمواليد، بينما لا يظهر دليل واضح على تحسن الوفيات بعد تجاوز ذلك.
الدرس العملي أن الهدف ليس مطاردة رقم، بل رفع جودة القرار: تحسين صحة ما قبل الحمل، تقوية دعم المخاض، وتوفير معلومات متوازنة تحمي حق المرأة وتضمن سلامتها. وعلى مستوى الخدمات، يعني هذا الارتفاع حاجة أكبر لغرف العمليات والتخدير والمتابعة، ما يرفع كلفة الرعاية ويضغط على الأسرة والكوادر، ويجعل دعم المخاض الطبيعي لمن ترغب به أصعب فعلاً.
اقرأ أيضاً: لأول مرة منذ 50 عاماً وفيات بريطانيا تزيد الولادات