باب زجاجي يُفتح صباحاً على شارع تسوّق مزدحم، فيدخل الناس لا لشراء قميص أو قهوة، بل لطرح سؤال مالي يحتاج وجهاً وصوتاً وإيماءة تطمئن. هذا المشهد الذي ظنه كثيرون من بقايا الماضي عاد إلى الظهور في مدن بريطانية، وأبرزها نورثهامبتون، حيث صار المرور على البنك جزءاً من “مشوار الجمعة” العادي.
ليست الحكاية هزيمة للتطبيقات، بل اعتراف بأن القرارات المالية الكبيرة لا تُدار دائماً عبر شاشة صغيرة، خصوصاً عندما يكون الخوف من الخطأ أعلى من الرغبة في السرعة.
عودة البنوك للشارع البريطاني
في شارع أبينغتون بوسط نورثهامبتون تتجاور فروع HSBC وBarclays وMetro Bank مع جمعية Nationwide، في مشهد يناقض موجة الإغلاقات التي ابتلعت أكثر من ستة آلاف فرع منذ 2015. البنوك لا تعود بلا شروط؛ هي تقلص الشبكة ثم تعيد تثبيت نقاط مختارة.
HSBC تعهد بالإبقاء على 327 فرعاً حتى 2027، وBarclays وسّع ساعات العمل في 87 فرعاً من نحو 200، بينما افتتح Metro Bank مواقع في غيتسهيد وتشيستر وسالفورد.
حتى جهات أصغر، مثل Newcastle Building Society، استثمرت في مبنى تاريخي مصنّف لافتتاح فرع بوسط نيوكاسل. Nationwide قدّمت وعداً كبيراً: الإبقاء على 696 فرعاً حتى 2030، ما هدأ مخاوف عملاء فيرجن موني بعد استحواذها عليه بـ2.9 مليار جنيه في 2024. زوجان في السبعينيات قالا إنهما يفضلان المقابلة وجهاً لوجه، وإلا سيغيران البنك.
ورأى رئيس هيئة السلوك المالي أن التزام الفروع صار أداة تسويق جديدة. وفي نورثهامبتون تحديداً يبعد فرع فيرجن موني نحو 300 متر عن فرع Nationwide، ما يجعل الإغلاق قراراً يشعر به الناس فوراً في الشارع.
الأرقام التي أزعجت الجميع
بحث نقلته KPMG وجد أن خُمس العملاء لم يزوروا فرعاً خلال عامين، ما يجعل سؤال “لماذا نفتح الأبواب أصلاً؟” منطقياً. محللون وصفوا الأمر بأنه “نقطة توازن”: دفع اليومي إلى التطبيق، والإبقاء على موقع صغير لحل ما يتعذر شرحه برسالة. الإجابة تكمن في نوع الزيارة لا عددها.
شخص مثل ديانا ييتس، 73 عاماً، جاءت لتصفية استثماراتها لأنها لا تثق بإجراء تحويلات كبيرة وحدها عبر الإنترنت. ومع تزايد الاحتيال الرقمي وانقطاعات الخدمة، صار وجود مكان يمكن فيه شرح المشكلة لموظف متخصص نوعاً من التأمين النفسي، حتى لو كانت الأنظمة الخلفية هي نفسها.
الفروع تتحول إلى استشارة
الفرع الحديث لا يعيش على شباك الإيداع والسحب. لهذا يتحدث بعض محللي البنوك عن تحويل الفروع إلى “مراكز نصح” أكثر من كونها مراكز معالجة يومية. كثير من العمليات تُترك للأجهزة، بينما يُستثمر وقت الموظفين في الرهن العقاري، وتحديث البيانات، وتوثيق التفويضات، وتسوية الأخطاء، وتقديم نصح حول الادخار والاستثمار.
لهذا ظهرت “مراكز الخدمات المصرفية المشتركة” كحل وسطي بعد الإغلاقات: موقع واحد يمكن لعملاء بنوك مختلفة أن يودعوا ويسحبوا ويدفعوا فواتيرهم فيه، مع غرف خاصة ومختصين يزورون في أيام محددة. لكن تقرير 2025 أشار إلى أن هذه المراكز لم تُقنع الجميع؛ KPMG قالت إن 72% من الأفراد لم يزوروها، لأنها تركز على معاملات بسيطة وتفتقر أحياناً لخصوصية الحديث عن استثمار أو رهن، ولا يحضر موظف بنكك في نفس اليوم.
الشباب أيضاً يريدون وجهاً
الافتراض السريع يقول إن الشباب “ولدوا داخل التطبيق”، لذلك لا يحتاجون فروعاً. بيانات 2025 تناقض ذلك: زار الفروع من هم بين 18 و24 عاماً أكثر من فئة 65+، وذكرت KPMG أن الزيارات الشابة شكّلت نسبة كبيرة من الزيارات التي رُصدت. الأسباب يومية وبسيطة، مثل إيداع نقدي من عمل جانبي أو استلام مبلغ هدية، أو طلب شرح مباشر لمنتج مالي. هكذا تصبح عودة البنوك للشارع البريطاني خدمة عملية للجميع، لا حنيناً للماضي.
ما الذي ينتظر لاحقاً
الصورة الأقرب للواقع أن هذه العودة هدنة لا نهاية حرب. وربما تكون مجرد توقف في الطريق. قد يخفف الذكاء الاصطناعي كلفة الأعمال الخلفية فيسمح ببعض “الإنسان” في الواجهة، وقد تعود موجة إغلاقات إذا تغير السلوك أكثر. لكن حالياً، عودة البنوك للشارع البريطاني تعني ببساطة أن الخدمات الأساسية ما زالت تحتاج عنواناً على الخريطة، لا مجرد أيقونة.
اقرأ أيضاً: لماذا تفكر البنوك الأجنبية بالرحيل عن بريطانيا؟